الأمور كلّها وفي الكمّ المتّصل . بيد أنّ الأشياء كلّها تشبه الواحد ذاته ، منها ما يأخذ عنه عن بعد ، ومنها ما يكون نصيبه / منه أوفر ، على أن يكون حينئذ أشدّ تحقّقا للروح . فإنّ للنّفس وحدتها ، ولكنّ الروح والحقّ بأن يكون كلّ منهما واحدا أحرى . ونسأل الآن : عندما نقبل على الشّيء فنشير إلى الحقّ المتحقّق فيه ، هل نعني وحدته أيضا ، وهل يكون لهذا الشّيء من الوحدة بقدر ما له من الحقّ ؟ هذا أمر قد يجوز ، على أنّ الحقّ في الشّيء لا يقدّر بوحدته . بل ربّ شيء لم يقلّ حظّه من الحقّ وكانت قليلة وحدته . ليس / الجيش أو الجوقة أقلّ حقّا من البيت ، وهما ، مع ذلك أقلّ وحدة . فوحدة الشّيء ، فيما يبدو ، إنّما تحدّد بخاصّة نظرا إلى الخير ، ويكون الشّيء واحدا على قدر إصابته من الخير ، وبالخير تقدّر زيادته أو نقصانه في الوحدة .
فإنّ الشّيء لا يريد فقط أن يكون ، بل يريد أن يكون مع الخير . ولذلك نرى الأشياء غير الموحّدة تسعى على قدر استطاعتها إلى أن تتوحّد . كما أنّ الأمور / الطّبيعيّة الموجّهة بطبيعتها إلى تكوين شيء واحد يريد بعضها أن يتّحد ببعض ، فلا يسعى كلّ منها إلى أن يباعد بينه وبين غيره ، بل إلى الدّنوّ منه ليكون معه شيئا واحدا . وكذلك القول في النّفوس : فإنّها تريد أن تصير كلّها نفسا واحدة ، مع احتفاظ كلّ نفس بما هي عليه في ذاتها . إنّ للواحد وجهين ، لأنّه هو الأصل والغاية ، / إذ إنّ الأشياء من الواحد تنطلق وإليه تسعى . وكذلك الأمر في الخير أيضا . لا يقوم شيء من الأشياء مهما يكن ، ولا يستمرّ قائما في ذاته غير مطيق أن يكون ساعيا إلى أن يكون واحدا في ذاته . تلك هي حال الأمور في الطّبيعة . أمّا الصّناعات ، فإنّ كلّ صناعة تصنع صنعها متقيّدة بالوحدة على قدر استطاعتها وعلى قدر / استطاعة الصّنع أن يكون واحدا في ذاته . أمّا الحقّ فإنّه أوفر الكلّ حظّا من الواحد لأنه أقرب الكلّ إلى الواحد . فالأمور الأخرى ، إنّما يقال فيها ما تعرف به ، كالإنسان مثلا . إن قلنا : إنسان واحد ، ففي مقابل إنسانين . وإن قلنا الواحد في الإنسان على غير هذا المعنى ، كان قولنا من باب الفضول . أمّا الحقّ ، فإنّا نقول فيه القول الكلّيّ : / « الواحد الحقّ » ، ونثبت ، بدلالتنا عليه أنّه واحد ، اتّصاله المباشر بالخير .
فيكون الواحد في الحقّ أيضا بمنزلة الأصل والغاية ، مثلما نجد في الأمور الأخرى ، ولكن على وجه آخر ، ممّا يؤدّي إلى إثبات متقدّم ومتأخّر حتّى في الوحدة ذاتها . وما عسى أن تكون الوحدة في الحقّ ؟ أليست ثابتة على سواء في أجزائه كلّها ، فنتبيّنها على أنّها الأمر المشترك بين هذه الأجزاء ؟ / نجيب أوّلا أنّ في الخطوط أمرا مشتركا وهو النّقطة ، وليست النّقطة جنسا للخطوط . كما أنّ في الأعداد أمرا مشتركا أيضا ربّما كان ذلك الواحد ، وليس جنسا هو أيضا .
فإنّ الواحد في ذاته ليس مثل الذي في الأحد وفي الاثنين وغيرهما من الأعداد . ونقول ثانيا إنّه لا يمنع مانع من أن يكون في الحقّ / متقدّمات ومتأخّرات ، بسيطات ومركّبات . ثمّ إنّ الواحد ، ولو كان هو ذاته على التّساوي في أجزاء الحقّ كلّها ، لا ينطوي على فروق في ذاته ، فلا يحدث
تاسوعات أفلوطين — صفحة 548
مساهمون: أفلوطين
ص٥٤٨