يسعك أن تقول فيها شيئا ممّا تنطوي عليه في ما هي عليه في ذاتها . أجل ، يسعك أن تقول فيها إنّها الحقّ في وجه من وجوهه ، لأنّها كذلك هي ؛ بيد أنّها ليست الحقّ بمعنى أنّه جنس لأنّها ليست الحقّ في حال خاصّة من أحواله . كما أنّه لا يقال الحقّ في الحركة أو السّكون / إذ إنّهما كلاهما ليس نوعا من أنواع الحقّ . فإنّ الشّيء يكون حقّا إذا كان نوعا من أنواع الحقّ وإذا كان مشاركا للحقّ في كيانه . هذا وإنّ العكس صحيح أيضا : فإنّ الحقّ لا يشارك هذه الأجناس بمعنى أنّها أجناس يكون هو نوع من أنواعها ، إذ إنّها ليست فوق الحقّ أو متقدّمة عليه .
9 أمّا أن تكون هذه الأمور هي الأجناس الأولى ، فإنّا نثبته من الأدلّة التي ورد ذكرها ، وقد نجد غيرها . ولكن كيف نتيقّن من أنها هي وحدها الأجناس ، وليس من جنس سواها ؟ ولما ذا لا تضيف الواحد ؟ والكمّ ؟ والكيف ؟ والمضاف وغيرها من الأمور التي أحصاها غيرنا من الفلاسفة ؟ / أمّا الواحد ، إن عنينا الواحد مطلقا الذي لا يلحق به شيء آخر ، فإنّه ليس نفسا ولا روحا ولا أمرا آخر مهما يكن ، ولا يقال هو في شيء آخر . وعليه فإنّه ليس جنسا . أمّا إذ عنينا الواحد الذي يلازم الحقّ ، والذي نقول فيه إنّه الواحد الحقّ ، فإنّه ليس الواحد أصلا . وإن لم يكن هذا الواحد لينطوي في ذاته على فروق ، فأنّى له أن يحدث الأنواع ؟ وإن لم يكن ليحدثها ، فليس جنسا . فكيف / تجزّئه ؟ إذا جزّأته جعلته متعدّدا وغدا ، هو الواحد ، شيئا متعدّدا ، فأبطلته في ذاته إن حاولت أن تجعله جنسا . هذا وإنّك ، إن جزّأته إلى أنواع أضفت إليه شيئا لا محالة ، إذ إنّه ليس في الواحد فروق مثلما أنّ للذات فروقا . فإنّ الروح يعترف بأنّ في الحقّ فروقا ؛ أمّا في الواحد ، فأنّى له ذلك ؟ فضلا / على أنّك ، وعند كلّ فرق تزيده ، تثبت الاثنين وتبطل الواحد إذ إنّ زيادة الأحد على عدد إبطال للكمّ السابق دائما . قد يقول قائل : إنّ الواحد الذي يلزم الحقّ والواحد الذي يلزم الحركة والأمور الأخرى هو أمر مشترك بين الكلّ جميعا ، ممّا يؤدّي بالحقّ إلى أن يمسي هو والواحد شيئا واحدا . فنجيب : إنّا في بحثنا لم نجعل الحقّ جنسا للأجناس الأخرى / لأنّها ليست الحقّ في نوع من أنواعه الخاصّة ، بل إنّها حقّ من وجه آخر . وكذلك القول في الواحد : فإنّه ليس أمرا مشتركا يشمل الأجناس كلّها ، بل يكون فيها أصلا تارة ، ويكون بمعنى آخر طورا . أمّا إذا قيل في الواحد إنّا لا نجعله جنسا للأجناس كلّها ، بل جنسا واحدا قائما على حياله مثل الأجناس الأخرى ، فنحن بين أمرين : إمّا أن يكون الحقّ والواحد شيئا واحدا فقط ، فنكون قد أتينا بلفظ فقط ، ما دام الحقّ قد تمّ تصنيفه بين الأجناس ؛ / وإمّا أن يكون كلّ منهما شيئا واحدا على حياله ، فنكون قد عنينا حقيقة ما . فإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة شيئا أثبتنا أنّها شيء واحد ما ؛ وإن لم نضف إليها شيئا عدنا وأثبتنا ذلك الواحد الذي لا يقال في شيء . أمّا إن قصدنا الواحد الذي يلازم الحقّ ، فلقد ذكرنا أنّه لا يعني الواحد الذي هو واحد
تاسوعات أفلوطين — صفحة 545
مساهمون: أفلوطين
ص٥٤٥