24 تلك هي قصّة أفلوطين . ولمّا كان هو نفسه قد أوصانا بأن نجمع كتبه ونصحّحها « 78 » ، وعدته أنا بذلك وهو ولا يزال حيّا . وأخبرت الرّفاق الآخرين أنني سأقوم بهذا العمل . ولمّا كانت تلك الكتب قد ظهرت / طوع الظروف والمناسبات لم أتّبع في جمعها التّرتيب التّاريخيّ ، بل قلّدت في عملي أبلّدورس الأثينيّ المشّائي « 79 » ، فالأوّل جمع في عشرة مجلّدات آثار الشّاعر الهزليّ إپيكرموس ، والثّاني قسّم إلى مقالات مؤلّفات أرسطو ومؤلّفات تيوفراسطس ، فجمع / الموضوعات الخاصّة المتجانس بعضها مع بعض . وهكذا فعلت أنا .
هامش
( 78 ) كان أفلوطين إذا قد كلّف فرفوريوس بجمع كتاباته وتصحيحها . أمّا « التّصحيح فإنّ اللفظة اليونانيّة الّتي تدلّ عليه قد وردت قبل ذلك ( 7 : 51 ) للدلالة على الشّيء ذاته . وهو الاهتمام الصّادق بتنقيح النّصّ وتصويبه لغويّا قبل دفعه إلى النّشر . ذلك بأنّه كان لمقالات أفلوطين ، حتّى في حياته ، بعض الانتشار ، ولا سيّما لدى الخواصّ من طلبته . بل إنّ لنجينوس كان ، وهو في أثينا وقبل موت أفلوطين ، قد حصل على بعضها ( 20 : 89 ) ، ثمّ على سلسلتين منها بعد ذلك ( 19 : 26 - 27 ) كانتا قد نقلتا في سوريا ، وقبل نشرة فرفوريوس للتاسوعات . فبسبب هذا النّوع من النّشر المحدود الّذي لم يتناول إلّا مقالا أو آخر ، كان أفلوطين قد كلّف فرفوريوس بإعادة النّظر في النّصّ وتصحيحه بالمعنى الّذي سبق شرحه . وأمّا « الجمع » فهو ترجمة للّفظة اليونانيّة الّتي تدلّ إجمالا على تقسيم الموادّ وتوزيعها إلى أبواب وفصول .
وقصارى الكلام كان أفلوطين قد وكّل فرفوريوس بنشر تعاليمه دون أن يحدّد له شيئا من نوعيّة ذلك النّشر ، لا من حيث المتن ولا من حيث الإخراج . أمّا قبل السّنة 268 م ، فقد كان هذا التّكليف الشّامل أمرا مستبعدا إذ أنّ أفلوطين كان ما يزال يعلّم ويشرح مذهبه ويجدّد فيه ويضيف إليه . لكنّا نعرف أنّه كان أمرا واردا في خلد أفلوطين ما دام كان يبعث بمقالاته ، بعد ذلك ، إلى فرفوريوس في صقلّية يومذاك ، ليعيد النّظر فيها ويحكم بتصحيحها وتقسيمها وتبويبها . والدّليل على ذلك تلك الإحالات الّتي يجريها أفلوطين ذاته من مقال على آخر . على أنّ هذا لا يعني أنّ الأستاذ كان راضيا عن تقسيمات التّلميذ وتبويباته . بل ربّما كان ينظر إلى ذلك كلّه من وجه آخر يخالفه الّذي جرى عليه فرفوريوس .
( 79 ) إنّا نكاد لا نعرف شيئا عن أپلّدورس وعن نشرته لمسرحيّات اپكّرموس ، لكنّا نعرف اندرينكوس وكيفيّة جمعه لمؤلّفات أرسطو وثيوفراسطس . فنستطيع أن نقدّر التّباين بين ما قاله أفلوطين بالذّات والوجه الّذي عليه جاء تخريج « التّاسوعات » المنسوبة إليه . فإنّ اندرنيكوس لم يعد إلى عرفان أرسطو الفلسفيّ الأصيل يتبعه في كلّ مسالكه بحيث ينسّق كتب المعلّم الأوّل تنسيقا « تاريخيّا » بل إنّه عمد ، في ترتيب هذه الكتب ، إلى ما بين موادّها من صلات منطقيّة بصرف النّظر عن ارتباطها بواقع استخراجها التّاريخي . وهذا يدلّنا على أنّ موادّ التّاسوعات لم تصلنا بالوجه الّذي عليه أخرجها أفلوطين بل من خلال التّصميم التّقليديّ الّذي أقبل به فرفوريوس عليها لإخراج صياغتها . وهو تصميم كان اتباعه واسع الانتشار في تعليم الفلسفة يومذاك ( راجع فريد جبر ، أرسطو والأرسطيّة عند العرب ، في دائرة المعارف البستانيّ ، بيروت ( 1971 ، ص 433 تا ) . حتّى ولو افترضنا أنّه كان في ذهن أفلوطين تنسيق مذهبيّ « لموادّ تعليمه » ، فإنّا نستطيع أن نحكم بأنّ هذا التّنسيق لم يكن له أيّ تأثير على الصّيغة الّتي أبرز بها فرفوريوس التّاسوعات .