ما أكثر ما كانت رمقات روحك تميل في الشّعاب ، إذ تسير مندفعة من تلقاء / ذاتها ، فيرفعها ، فوق الأفلاك ، إلى السّير السّويّ المستديم « 71 » ، أرباب الخلود يكاشفونك بأشعّة أنوارهم ، فتبصرها بأمّ العين من خلال ظلامك الدّامس . إنّ السّبات العميق لم يستول قطّ على جفونك ، بل كنت ، بتلك الجفون ، من وصادك المطبق / القاتم ، في خضمّ الأعاصير ، تندفع فترى بعينك الكثير والرّائع من الأمور الّتي ربّما ما رآها من بين البشر من كان أشدّهم بحثا عن الحكمة . والآن وقد فلت من سكنك ، وفارقت رمسها نفسك الجنّيّة / ، دخلت حلقات الجنّ حيث تلطف النّسمات وتطيب . هنا تجد الصّداقة ، والجذب النّاعم الحافل باللذّة البريئة ، فترتوي دائما من جداول الرّحيق الرّباني وتصبح أشواقك في سكينة / . فما أحلى النّسيم هنا ، وما أشفّ الأثير ! هنا مقام اللذين أنجب « زوس » العظيم في « الأجيال الأبريزيّة » ، الأخوان مينوس وردمنتوس . هنا البارّ أيّاكيدس ، وهنا أفلاطون ، صاحب النّفس الذّكيّة ، بل الجميل المحيّا فيثاغورس : كلّ المترافقين إلى حلقات الحبّ الخالد ، كلّ الّذين قدّر لهم أن يحصوا من بين سلالة / الجنّيّين أهل السّعادة . هنا يحفل القلب ، في ازدهار اللذّة المستمرّ ، بالابتهاج ! طوبى لك . ما أكثر ما كان جهادك ! فإنّك بين أطهار الجنّ ! « 72 »
تاسوعات أفلوطين — صفحة 39
مساهمون: أفلوطين
ص٣٩
هامش
( 71 ) كلّ هذه الأوصاف الحسّيّة تنطوي على معنى كان كثير الانتشار في القرن الثّالث الميلاديّ ، وهو معنى ارتقاء النّفس سالكة ، بين الطّرق المائلة المنعرجة ، أي بين أفلاك النّجوم السّائرة ، حتّى تنتهي إلى تلك النّجوم الثّابتة .
( 72 ) كلّ هذه الأبيات تشير إلى أخرويّات الأفلاطونيّة المحدثة ، وهي تأويلات رمزيّة لمقطع مشهور ورد عند هزيودوس ( الأعمال والأيّام ، 95 تا ) عن « العصور الذّهبيّة » ، في ضوء أصول فلسفيّة تصوّفيّة تعود إلى أفلاطون . فالجسد هو قبر النّفس ( غورجياس 493A) ومسكنه الأرضيّ) Axiochos , 336 A (.
وبعد مفارقته يصل جنّ أفلوطين إلى حلقة أهل السّعادة . فمن أوصاف هذا المحلّ تستطيع التّشبيهات المختلفة المنقولة عن القدماء ، مثل جزيرة أهل السّعادة ، والاولمبوس اوذيسا ( 6 ، 41 - 46 ) وصور الآخرة كما أخرجها أفلاطون . أمّا مينوس وردمنتوس واياكيدس فهم القضاة الثّلاثة الّذين يدينون النّاس بعد موتهم . فيصبح أفلوطين من صحبهم مع من سبقه إليهم من الفلاسفة : أفلاطون وفيثاغورس ، بل كلّ أتباع أفلاطون ، إذ أنّهم هم « المترادفون إلى حلقات الحبّ الخالد » . على أنّ صاحب « الهاتف » يقلّد هنا أفلاطون الّذي كان قد سنّ لمن بعده كلّ ذلك النّمط في التّشابيه ( راجع في هذا كلّهVie de Porphyre , Bidez، ص 122 تا ) .