تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
شيء مستقبل ، بل يقع عمله على شيء تحقّق ، أو بالأحرى على أمر محقّق حاضر دائما ، / وهو عرفان يدرك ما ينطوي عليه هو ذاته ، لا ما يكون عنه خارجا . إنّ في المعرفة تحقّقا وتحرّكا ؛ أمّا في معرفة الذات فالذات والحقّ . فإذا قام الروح في كيانه عرف ، فعرف ذاته على أنّه الحقّ وعلى أنّه الحقّ الذي يستند إليه ، إن جاز لنا القول . فالفعل الذي يحقّقه الروح على ذاته ليس الروح في ذاته ؛ إنّما الحقّ هو الذي يقع فعل الروح عليه وهو الذي ينبعث الروح منه . والذي يبصر هو الحقّ ، وليس الإبصار ذاته ؛ على أنّ للإبصار / ذاته كيانه لأنّ ما ينبعث منه وما يقع عليه هو أمر ثابت حقّا . هذا وما دام الروح قائما بالفعل لا بالقوّة ، فإنّه يعود ويصل بين الطّرفين ولا يفصل بعضهما عن بعض ، فيجعل ذاته هو الحقّ المعروف والحقّ المعروف هو ذاته ، أمّا الحقّ فإنّه ركن الأركان الذي تقوم عليه الأشياء كلّها في ثباتها ، وليس هذا الثّبات لديه شيئا ورد عليه من الخارج ؛ بل إنّه من الحقّ ينبعث وفيه يستقرّ . / كما أنّه ثبات ذلك الذي ينتهي العرفان إليه ، وهو ثبات ليس لديه بداية ، وثبات ذلك الذي ينطلق منه العرفان هو ثبات لم يكن بالدافع على العرفان . فإنّ الحركة لا تنبعث من حركة ولا تنتهي إلى حركة . هذا فضلا على أنّ الفكرة في ثباتها هي الحدّ الذي ينتهي الروح إليه ، كما أنّ الروح هو هذه الفكرة في تحرّكها . فكلّ هذه الأمور شيء واحد ، الحركة والسّكون ، وهي أجناس متداخلة كلّا بكلّ ، كلّ منها هو بشيء منه ما يليه ؛ / فالحركة سكون من وجه والسّكون حركة من وجه آخر . تلك هي الأمور الثّلاثة التي نشاهدها إذا ما أدركنا الحقّ في حقيقته . فإنّا ندرك الحقّ بالحقّ الذي فينا ، وكذلك ندرك الأمور الأخرى بما لدينا منها : فالحركة بما لدينا من حركة ، والسّكون بما لدينا من سكون ، ونوفّق بين الروحانيّات وما لدينا منها في الحسّيّات . / على أنّا نخلط بين كلّ هذه المعاني وقد تبلغنا بعضها مع بعض وكأنّها ممزوج بعضها ببعض ، فلا نميّز بينها . ثمّ نباعد بيننا وبينها قليلا ، ونمسك ونميّز فنرى حقّا وسكونا وتحرّكا . إنّها لأمور ثلاثة ، وكلّ منها أمر واحد في حدّ ذاته . أفلا نقول فيها إنّها مختلف بعضها عن بعض ، ونثبتها في تخالف بعضها عن بعض ، ونتبيّن التّخالف الواقع في الحقّ ، ما دمنا نجعلها ثلاثة مع كون كلّ منها واحدا على حياله ؟ ثمّ إذا عدنا / ورددناها إلى الوحدة ، وأقمناها في الوحدة ، وجعلناها كلّها شيئا واحدا ، فأدخلناها في هذا الشّيء الواحد الذي يبقى هو ذاته على حاله ، ونظرنا إليها عند ذلك ، أفلا نرى « الهو هو » وقد أطلّ علينا بكيانه ؟ يجب إذا أن نذكر إلى جانب تلك الأمور الثّلاثة الأمرين الأخيرين وهما بقاء الشّيء هو هو على ذاته ، وكونه مخالفا لغيره . فيصبح عدد الأجناس التي تشمل الأمور كلّها خمسة . ثمّ إنّ الأمرين الأخيرين يتيحان لما يليهما البقاء على الذات والمخالفة . / فإنّ كلّ شيء هو هو ذاته في جانب منه ، وهو غيره في الجانب الآخر . فيصنّف كون الشّيء في ذاته وكونه هو غيره بدون تحديد آخر في مقام الأجناس . ثمّ إنّ هذه الأجناس هي الأجناس الأولى ، لأنّه لا