يظهر الشّيء في محلّه . فهي للحقّ تحقّقه فعلا ولا يفصل بعضهما عن بعض إلّا ذهنا . فإنّ الحقيقتين حقيقة واحدة إذ إنّ الحقّ حق بالفعل لا بالقوّة . غير أنّك إن أخذتهما منفصلا / بعضهما عن الآخر وجدت الحركة في الحقّ والحقّ في الحركة . مثل ذلك مثلما يقال في الحقّ الواحد إنّ كلّا من الطّرفين يشتمل على الآخر ، مع كون بعضهما منفصلا عن الآخر . على أنّ الذّهن يقول فيهما ، مع ذلك ، إنّ كلّا منهما مثال مؤلّف من شيئين وهو مثال واحد . هذا وإنّ الحركة إن ظهرت مع الحقّ لم تخرج الحقّ عن طبعه ، بل تكون بأن تجعل الحقّ وكأنّه / يزداد كمالا أحرى . ثمّ إنّ الحقّ لا يزال باقيا على حاله طالما كان ، وهو على ما وضعناه طبعا ، في ذلك النّوع من التّحرّك . وإن كان الأمر في الحقّ على هذا الحال ، ثمّ نفينا عن الحقّ السّكون ، لكنّا آنذاك أشدّ حمقا منّا فيما لو نفينا عنه الحركة . فأن يكون السّكون مع الحق أقرب إلى العقل والمعرفة من أن يسترسل مع الحركة . ذلك بأنّك ، في الملأ الأعلى ، تجد ما يبقى دائما على ما يكون عليه في ذاته ، غير متحوّل من حال إلى حال ، محتفظا ببنيته المعنويّة الواحدة . / فليكن السّكون هو أيضا جنسا من الأجناس ، مختلفا عن الحركة ما دام يظهر في إزائها . أمّا أن يكون مختلفا عن الحقّ ، فأمر واضح من غير وجه ولا سيّما أنّه لو كان هو والحقّ شيئا واحدا لما كان ، بذلك ، أشدّ جدارة من الحركة . ولعمري ، لما ذا يكون السّكون هو والحقّ شيئا واحدا ، ثمّ لا يقال هذا في الحركة ، وهي حياة الحقّ / من وجه ما ، وهي أيضا تحقّق الذات والكيان في ذاته ؟
فإنّا نميّز بين الحقّ وحركته على أنّهما شيء واحد من ناحية ومختلفان من ناحية أخرى ، ونقول فيهما إنّهما شيئان من وجه وشيء واحد من وجه آخر . وكذلك أيضا ومن الوجه ذاته نميّز بين الحقّ وسكونه من ناحية ولا نميّز بينهما من ناحية أخرى ، بمعنى أنّا نميّزهما بالذّهن لنقيم في الحقائق جنسا جديدا . / فإذا ذهبنا في السّكون والحقّ إلى أنّهما شيء واحد من كلّ وجه ، وقلنا في الحقّ والحركة إنّه لا يفرّق بينهما فارق أيضا ، أدّى بنا الحال إلى التّوحيد بين السّكون والحركة بوساطة الحقّ ، وخرجنا من ذلك مع القول بأنّ الحركة والسّكون شيء واحد . /
8 بل إنّه ينبغي أن نتصوّر هذه الأمور ثلاثة ما دام الروح يعرفها أمرا أمرا . فإنّه يثبتها حالما يدركها ، ما دام يدركها ؛ وإنّها ثابتة ما دامت معروفة . إنّ ما كان كيانه مصحوبا بالهيولى ليس له في الروح كيان . أمّا هذه الأمور الثّلاثة فإنّها منزّهة عن الهيولى . وما كان منزّها عن الهيولى ، إذا عرف بالروح ، فإنّ عرفانه بالروح إنّما هو كيانه بالذات . ألا ، أنظر إلى الروح / في صفوته ، وإذا ما نظرت إليه محدّقا تخلّ عن بصرك الحسّيّ . فها إنّك ترى الذات في محراقها ونورا في الروح لا يزال مشتعلا . ترى فيه الحقائق كيف تستوي وكيف يتمايز بعضها عن بعض على كون بعضها مع بعضها الآخر شيئا واحدا . كما أنّك تشاهد حياة ثابتة لا تزول وعرفانا لا يعمل لتحقيق
تاسوعات أفلوطين — صفحة 543
مساهمون: أفلوطين
ص٥٤٣