بسيطة ومن أن نقف عندها في سيرنا ، بمعنى أنّا أدركنا الأصل حينئذ . فلننظر إلى هذه النّفس إذا وقد تناولناها من الملأ الأعلى ، كما كنّا قد تناولنا الجسم من العالم الحسّيّ . كيف يكون هذا الشّيء الواحد أشياء كثيرة ، وكيف / تكون الأشياء الكثيرة شيئا واحدا ، لا بمعنى أنّه شيء مركّب من عناصر كثيرة ، بل بمعنى أنّه حقيقة متعدّدة في وحدتها . هذا وقد قلنا إنّا إن فهمنا ذلك وأدركناه بوضوح تبيّنت لنا في الأجناس أيضا الحقيقة التي ينطوي الحقّ عليها .
5 يجب أوّلا أن نذكر أنّ كلّ جسم من الأجسام ، مثل أجسام البهائم والنّبات ، متعدّد الوجوه والعناصر وذلك بألوانه وأشكاله ومقاديره وأنواع أجزائه ، فلهذا وجه ولذاك آخر .
ولكنّها تخرج كلّها من شيء واحد : فإمّا أن تخرج من الواحد مطلقا ومباشرة ، وإمّا أن تأخذ من الواحد كلّه في كلّ ناحية من نواحيها ، أو إنّها تنبعث ممّا يكون أشدّ وحدة ممّا ينشأ عنه ، / بحيث تغدو هي بدورها أوفر حقّا ممّا يحدث منها . وذلك لأنّ البعد عن الوحدة متناسب البعد عن الحقّ . وما دامت الأشياء تخرج من الواحد ، وهو غير واحد بمعنى الواحد المطلق أو الواحد القائم في ذاته واحدا ( وإلّا لما أحدث كثرة أجزاؤها منفصل بعضها عن بعض ) ، لم يبق إلّا أن تخرج من وحدة هي كثرة في الآن ذاته . إنّما كانت النّفس هي الصانع ، وهذا يعني أنّها كثرة في وحدة إذا . ثمّ ما ذا ؟ هل هذه الكثرة / في الأجسام التي تحدث هي كثرة بناها المعنويّة ؟
أو تكون الكثرة شيئا والبنى المعنويّة شيئا آخر ؟ كلّا ! بل إنّ النّفس ذاتها بنية معنويّة وخلاصة البنى المعنويّة ، والبنى المعنويّة إنّما هي النّفس وقد تتحقّق فعلا إذ تفعل أفعالها مسترسلة مع ما تكون هي عليه في ذاتها ، والنّفس بما هي عليه في ذاتها إنّما هي قوّة البنى المعنويّة فاعلة أفعالها . وبذلك ، أعني بأفعاله في غيره ، يتبيّن أنّ هذا الواحد هو متعدّد العناصر . وإن لم تكن فاعلة ، أو نظرنا إليها / من حيث كونها غير فاعلة وعدنا إلى ما ليس فاعلا منها ، ألا نجد عندها قوى كثيرة أيضا ؟ إنّا كلّنا معترفون بكيانها ؛ أنقول في هذا الكيان إنّه مثل كيان الحجر ؟
كلّا لسنا أمام أمر واحد هنا وهناك . لكنّ الكيان مع ذلك ، في مثل الحجر ، ليس هو الكيان بالذات للحجر ، بل كون الحجر حجرا . / فكذلك القول في النّفس حيث نجد أنّ الكيان للنّفس ينطوي ، مع كيانها ، على كونها نفسا . فهل يمسي كيان النّفس شيئا يختلف عن البواقي التي تضاف إلى النّفس في ذاتها فتكمّلها ؟ أو أن يكون الحقّ أوّلا ، ثمّ يقع فيه وجه فصل يحدث النّفس ؟ كلّا ! فإنّ النّفس شيء معيّن حقّا ، ولكن ليس بمعنى ما يكون الإنسان أبيض ، بل بمعنى أنّها / ذات من وجه ما . وهذا يعني أنّ ما لديها إنّما يأتيها ممّا هي عليه في ذاتها .
6 أو يأتيها كلّ ما لديها من ذاتها حتّى تقوم بكيانها من ناحية ، وبكيانها مع طبعها الخاصّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 541
مساهمون: أفلوطين
ص٥٤١