أجسام لا نفس لها . أمّا / إذا أثبتنا شيئا يجبل هو الهيولى ويصنع النّفس ، فإنّ قبل النّفس تحدث تلك التي تحدث .
28 لكنّا نقف عند هذا الحدّ من قولنا ما دامت الاعتراضات على هذا الافتراض كثيرة . فإنّ الردّ على هذيان بهذا الوضوح ضرب من الهذيان أيضا . وهو ردّ تكون غايته الدّلالة على أنّهم يقدّمون الباطل كأنّه الحقّ في معناه الأعظم ، كم أنّهم يجعلون الأوّل آخرا والآخر أوّلا . وسبب ذلك هو أنّهم يتّخذون الإحساس والاعتقاد / دليلين لإثبات الأصول وغيرها . يعتقدون في الأجسام أنها هي الحقائق ، ثم يروعهم تحوّل بعضها إلى بعضها الآخر ، فيتصوّرون ما يكون باقيا تحتها أنّه هو الحقّ . فكأنّ المرء إذا تصوّر المكان ظنّ فيه أنّه بأن يكون هو الحقّ أحرى من الأجسام ، لأنّ الفساد لا يعتريه . / والواقع هو أنّ المكان ثابت لديهم . ولكن يجب الّا نتصوّر حقّا كلّ شيء ثبت على الدّوام ، بل أن نتبيّن أوّلا ما هي الأوصاف التي تلزم الحقّ حقّا ، والتي إذا حضرت حضر معها البقاء على الدّوام . فإنّ الظّلّ الذي يبقى دائما وهو يلازم شيئا يتغيّر ليس أجدر من الشّيء بأن يكون حقّا . ثمّ إنّ العالم المحسوس مع ما تسند الأمور إليه ومع الأشياء الأخرى الكثيرة ، / إنّما يصبح هو الكلّ الذي بكثرته يغدو بأن يكون الحقّ أجدر من الشّيء الواحد الثابت في ذلك المسند إليه . وإذا كان الكلّ هو الحقّ حقّا فكيف يكون المسند إليه حقّا وهو الباطل ؟ هذا على أنّ الأشدّ غرابة في رأيهم هو أنّهم ، بالرّغم من اطمئنانهم للإحساس في كلّ شيء ، يجعلون حقّا ما لا ينال بالحسّ . وليسوا على صواب في وصفهم الهيولى بالصّلابة ، إذ إنّ الصّلابة من قبيل الكيف . / وإذا قالوا في الهيولى إنّها تدرك بالروح ، فيا له من روح غريب هذا الروح الذي يقدّم الهيولى عليه هو ذاته ، ويعترف للهيولي بأنّها الحقّ ، وهو أمر لا يعترف لذاته هو به . فما داموا يعتقدون في هذا الروح أنّه ليس حقّا ، كيف يطمئنّون إليه مخبرا عمّا فوقه وليس بين الطّرفين قطّ تجانس ؟ هذا وإنّا قد سبق لنا وقلنا القول الكافي في هذه الطّبيعة وفي ما تسند الأمور إليه على / اختلاف أنواعه .
29 وبعد ، فلا غرو إن كان الكيف عندهم شيئا يختلف عن المسند إليه ، وهو أمر يسلّمون به . وإلّا لما كانوا يصنّفون الكيف في مقام آخر . على أنّه إن كان شيئا آخر ، وجب فيه أن يكون هو أيضا من البسائط . فكان حينئذ غير مركّب ، وليس فيه هيولى من حيث كونه كيفا ، وكان منزّها عن الجسمانيّة وفعّالا ؛ وغدت الهيولى تحته لتنفعل به . / أمّا إن قلنا في الكيف إنّه مركّب ، فإنّا نقول هذيانا . فإنّ هذا التّقسيم يجعل البسيط والمركّب في طبقة واحدة ومن جنس واحد . هذا أوّلا . ثمّ إنّه ، ثانيا يثبت كلّا من النّوعين في الآخر . فكأنّا نقسّم العلم
تاسوعات أفلوطين — صفحة 534
مساهمون: أفلوطين
ص٥٣٤