بل إنّه الهيولى في حال من أحوالها . ثمّ إذا كانت الهيولى هي التي تسند الأشياء إليها ، فلا بدّ من شيء آخر يؤثّر فيها وهو خارج عنها فيتيح لها أن تكون مستندا لما ينبعث منه إليها . أمّا إذا كان ذلك الإله هو ذاته في الهيولى على أنّه محلّ تسند / الأمور إليه وقد نشأ مع الهيولى ، فإنّه لا يتيح للهيولي أن تكون للأشياء مسندا ، كما أنّه لا يسعه أن يكون هو ذاته مسندا مع الهيولى .
ولعمري ، ما عسى أن يكون الشّيء الذي يغدو أنّ له مسندا ، وقد زال ما كان يجعله مسندا بعد فناء الأشياء كلّها في ما ادّعوه مسندا للأشياء ؟ فإنّ المسند إليه من باب المضاف ، وليس مضافا إلى ما يكون فيه ، / بل إلى ما يكون فيه كامنا وهو يفعل . ثمّ إنّ المسند إليه هو على هذه الحال بالنّسبة إلى ما ليس بمسند إليه . ويعني هذا أنّه كذلك بالنّسبة إلى شيء خارج عنه ؛ فأصبح هذا الأمر في الخارج عنه مهملا . أمّا إذا كانوا لا يحتاجون إلى شيء يردّ على المسند إليه من الخارج ، وإذا كان بوسع المسند إليه ذاته أن يكون كلّ شيء بتشكّلاته المختلفة ( كما أنّ الراقص يتحوّل برقصه إلى الهيئات كلّها ) / لم يكن لدينا مسند إليه ، بل كان المسند إليه هو الأشياء كلّها .
ولا غرو ، فإنّ الراقص ليس مسندا تسند إليه الهيئات التي يتكيّف بها ، إذ إنّها كلّها أفعاله .
وكذلك في ما يدعونها الهيولي : ليست هي المسند للأشياء كلّها إذا كان ما سواها متفرّعا عنها .
ولعلّ الأولى أنّه ليس من شيء سواها مطلقا ما دامت الأشياء الأخرى هي الهيولى في حال من أحوالها كما أنّ الراقص / هو هيئاته كلّها التي بها يتكيّف . وإن لم تكن الأشياء الأخرى ، أدّى عدمها إلى القول في الهيولى إنّها لبست مسندا تسند الأمور إليه ، بل إنّها ليست شيئا من الأشياء . ولكنّها ما دامت هيولى فقط انتفى عنها حتّى كونها هيولى . ولا غرو ، فإنّ الهيولى من قبيل المضاف ، والمضاف متعلّق بغيره وهو من جنسه ، فيقال في الضّعف مثلا إنّه يتعلّق بالنّصف ، ولا يقال في الذات إنّها متعلّقة بالضّعف . / فكيف يتعلّق الحقّ بالباطل إلّا عن طريق العرض ؟ أمّا الشّيء الذي يكون في ذاته فإنّ علاقته بالهيولى علاقة الحقّ بالحقّ . وإن كان ما من شأنه أن يقع قوّة فقط ، أعني لم يكن ذاتا ، لم تكن الهيولى ذاتا هي أيضا . فينتج عن ذلك أنّهم يعيبون على غيرهم جعله الذات ممّا ليس ذاتا ، ثمّ يجعلون هم من الذات ما ليس ذاتا . فإنّ العالم ، / من حيث إنّه عالم ، ليس ذاتا عندهم . وإنّه لغريب ، لعمري ، أن تكون الهيولى ، وهي المسند إليه ، ذاتا ، ثمّ لا تكون الأجسام أشدّ ذاتيّة ؛ وأغرب أيضا الّا يكون العالم أشدّ ذاتية من الأجسام ، بل لا يكون ذاتا إلّا بقدر ما يكون جزءا من المسند إليه . كما أنّه بعيد عن المعقول الّا يستمدّ الحيوان ذاته من النّفس ، بل من الهيولى فقط ، وأن تكون النّفس / حالا من أحوال الهيولى ومتأخّرة عليها . فأنّى للهيولي أن تكون منفوسة ، وأنّى للنّفس بوجه عامّ أن تكون قائمة في ذاتها ؟ بل كيف تصبح الهيولى في بعض الأحايين أجساما ، ثمّ تكون النّفس في جزء آخر من أجزائها ؟ فإذا ورد المثال من الخارج ، لن تنشأ قطّ نفس بقبول كيف على الهيولى ، إنّما تنشأ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 533
مساهمون: أفلوطين
ص٥٣٣