تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
الجسمانيّة . ثمّ إنّهم لم يدلوا بالفروق التي يقسم ذلك المعنى الجامع بمقتضاها . فضلا على أنّ هذا المعنى الجامع إمّا أن يكون حقّا وإمّا الّا يكون . فإن كان حقّا ، كان نوعا من أنواع الحقّ ؛ وإن لم يكن حقّا ، كان الحقّ والباطل شيئا واحدا . بله ما سوى ذلك / من الاعتراضات لا يحصى عددها . ولكنّ قصدنا أن ننوّع هذه الاعتراضات الآن ، وأن نحصر بحثنا في التّقسيم ذاته . إنّهم يجعلون الأمور التي تسند الأشياء إليها في المقام الأوّل ، على أنّهم يقدّمون الهيولى على غيرها فيسوّون بين ما يرون أنّه الأصل الأوّل وبين ما يليه . وأوّل ما يؤدّي إليه ذلك هو أنّهم يجعلون المتقدّمات والمتأخّرات في مقام واحد ، / مع أنّه يستحيل علينا أن نجمع المتقدّم والمتأخّر في جنس واحد . ففي الأشياء التي تتضمّن متقدّما ومتأخّرا يستمدّ المتأخّر كيانه من المتقدّم . أمّا الأشياء التي تقع تحت جنس واحد ، فإنّ كلّا منها يحظى بكونه من هذا الجنس على التّساوي ، ما دام يجب في هذا الجنس أن يكون هو الأمر الواحد / الذي بوساطته يقال في الأنواع كلّها ما هي . على أنّهم ، مع ذلك ، يقولون في الهيولى ، فيما أظنّ ، إنّ كلّ ما سواها يتلقّى كيانه منها . هذا وإنّهم يعدّون المسند إليه واحدا ، فلا يأتون على الحقائق بإحصائهم ، بل يبحثون عن أصولها . وشتّان ما بين القول في الأصول والقول في الحقائق . أمّا إذا قالوا في الهيولى إنّها هي الحقّ وحدها ، / وفي غيرها إنّه أحوالها ، فإنّه كان ينبغي لهم الّا يسلكوا الحقّ والأشياء الأخرى في جنس واحد . ولكانوا بالقول الصّواب أحرى لو أقاموا الذات من ناحية وأحوالها من الناحية الأخرى ، ثمّ ذهبوا يقسّمون الأحوال بعد ذلك . وهذا يعود إلى القول في الأمور التي تسند الأشياء إليها إنّها قائمة من ناحية ، وفي الأشياء الأخرى إنّها قائمة من الناحية الثانية . في حين أنّ ما تسند الأشياء إليه هو واحد ولا ينطوي على تفريق إلّا على التّفريق / الذي يكون بالتّجزّؤ ، فكأنّ المستند إليه آنئذ حجم يجزّأ إلى أجزاء . مع أنّ المسند إليه بألّا يقال فيه إنّه يتجزّأ أحرى ، ما داموا يعتقدون في الذات أنّها لا تتجزّأ . 26 أمّا القول الأبعد عن المعقول على وجه الإطلاق هو أن يجعل ما يكون بالقوّة متقدّما على الأشياء كلّها والّا يقدّم الفعل محقّقا على القوّة . فإنّ ما يكون بالقوّة لن ينتقل يوما إلى حال الفعل محقّقا ، ما دام له مقام الأصل في عالم الحقائق . والواقع هو أنّه لن يحقّق ذلك من تلقاء ذاته ، بل يجب فيه وجهان : إمّا أن يتقدّمه ما يكون بالفعل محقّقا ، / فلا يعود هو أصلا بعد ذلك ، وإمّا أن يقولوا فيهما إنّهما قائمان معا ، فيخضعون الأصول للاتّفاق والمصادفة . وبعد إذا كانا قائمين معا ، فلما ذا لا يقدّم ما يكون فعلا على ما يكون بالقوّة ؟ ولما ذا يكون هذا الأخير أوفر حقّا ، ولا ذاك ؟ وإذا كان القائم بالفعل محقّقا هو المتأخّر ، فبأيّ معنى ؟ فإنّ الهيولى لا تحدث المثال ، كما أنّه لا تحدث الكيف ، وهي من الكيف محرومة ؛ فلا ينبعث الفعل محقّقا