وفي القيام في الحياة . فإنّ القيام في الحياة لدى كلّ شيء إنّما يقع في زمان مكتمل حدّه ، وإنّ السّعادة فعل محقّق لا يقع في لحظة عابرة ، بل تبدو السّعادة وكأنّها بمثابة الحركة . ومن ثمّ / وجب القول في الأمرين إنّهما حركتان ، وكانت الحركة شيئا قائما في وحدته وجنسا واحدا أيضا ، فنتصوّرها لازمة للذات هي أيضا إلى جانب الكيف والكمّ . وإن شئت فقل في الحركات إنّها جسميّة أو نفسيّة ، أو إنّها حركات تنبعث من الشّيء وحركات تنبعث من غيره متوجّهة إليه ، أو حركات تخرج منه أو / حركات تخرج من غيره . فالأولى أفعال متعلّقة بأشياء أخرى أو مطلقة من كلّ قيد ، والثانية انفعالات لا ينفعل الشّيء بها . بيد أنّ الحركة التي تتناول الشّيء هي الحركة التي تخرج من غيره . فإنّ القطع قطع واحد ، منبعثا من القاطع وواقعا على المقطوع ، ولكنّ للقطع وهو فعل معنى كما أنّ له معنى آخر إذ هو انفعال . وربّما لم يكن القطع واحدا منبعثا / من القاطع وواقعا في المقطوع . بل إنّ القطع فعلا يعني في المقطوع حدوث حركة خلفت فعل القاطع وحركته منبعثة منهما متخلّفة عنهما . بل ربّما لم يكن الفرق بالقطع انفعالا في حدّ ذاته ، بل بتأثير آخر يقبل عليه ، كالألم مثلا ؛ فإنّ في الألم الانفعال . / ولكن ما عسى أن يحدث في حال غياب الألم ؟ ما ذا يحدث سوى فعل الفاعل الواقع على هذا الشّيء أو ذاك ؟
الواقع إنّ القيام بالفعل يكون كذلك إذا ورد بهذا المعنى . فإنّه بهذا المعنى قيام بالفعل يقع على وجهين : من حيث إنّه ليس ثابتا في غيره من وجه ، ومن حيث إنّه ثابت في غيره من الوجه الآخر . فلا يقابلنا قيام بلا فعل من ناحية وتأثير بالانفعال من ناحية أخرى بعد ذلك . بل إنّ قيام الفاعل بفعله الواقع في غيره جعلنا نعتقد في القيام بالفعل وفي التّأثير بالانفعال أنّهما اثنان . /
فالكتابة مثلا ، على وقوعها في شيء آخر ، لا تستدعي إحداث الانفعال ، لأنّها لا تحدث في اللّوح شيئا سوى فعل الكاتب وقد أنجزه ، فلا تحدث ألما مثلا . وإذا قال قائل قد كتب على اللّوح ، فلا يعني بذلك حدوث انفعال . وفي السّير أيضا ، فإنّا لا نتصوّر الأرض منفعلة به ، ولو كانت الأرض / هي التي يقع عليه . بيد أنّا عندما نمشي على جسم حيوان نتصوّر تأثيره بالانفعال لأنّا نفكّر بالألم الذي يلازم سيرنا عرضا ، لا سيرنا ذاته ؛ وإلّا لحدث لنا هذا التّصوّر في سيرنا على الأرض . كذلك هو الأمر في كلّ حال : فمن حيث القيام بالفعل يجب القول فيه إنّه شيء واحد مع ما يخالفه ونسمّيه حدوث بالانفعال . أمّا ما نقول فيه إنّه التّأثير بالانفعال ، فإنّه يقع بعد ذلك / المزدوج الواحد ولا يخالفه . لا يختلف الحرق فاعلا والحرق مفعولا مثلا ، بل ينشأ من الطّرفين ، وهما واحد ، ما يقع طارئا على الشيء سواء أكان ألما أم شيئا آخر كالاحتراق مثلا . ثمّ ما ذا ؟ إذا فعل ذلك فاعل وقصده أن يؤلم ، أليس يكون الفاعل شيئا والمنفعل آخر ولو كانا ينبعثان كلاهما من فعل محقّق واحد ؟ كلّا ! / ليس في الفعل محقّقا عمل إرادة للإيلام ؛ بل الفعل يحدث شيئا آخر بوساطته يقع الألم . فإنّ ما يحدث في من يقع الألم عليه هو شيء قائم
تاسوعات أفلوطين — صفحة 526
مساهمون: أفلوطين
ص٥٢٦