لتحقيقه . / ولا يعني هذا الاستئناف في الحركة أنّها بلغت كونها فعلا إذ إنّها فعل على كلّ حال .
بل يعني أنّها تحقّق شيئا يختلف عنها وهو متأخّر عليها . وليست هي التي تدرك كمال تحقيقها عند ذاك ، بل الأمر الذي كانت إليه ساعية . فإنّ السّير مثلا ، إنّما كان سيرا منذ بدايته . إن كان يجب في المرء أن يقطع فرسخا / ولمّا يقطعه ، فليس النّقصان نقصان السّير أو الحركة بل نقصان السّير في مسافة ما . فإنّ للسّير قيامه وقدره ، وكذلك الحركة ، إذ إنّ أقلّ ما يقال في المتحرّك إنّه أخذ في التّحرّك ، وفي من يقطع شيئا إنّه أخذ في عمله وهو يقطع . ومثلما أنّ المعروف بالفعل محقّقا لا يحتاج إلى زمان ، كذلك الحركة أيضا . إنّما تحتاج الحركة / إلى زمان إذا كانت حركة إلى حدّ معيّن . ثمّ إن كان الفعل المحقّق مستقلّا عن الزّمان فالحركة أيضا ، إنّما أعني الحركة بوجه عام . أمّا إذا كان لا بدّ من أن تكون في الزّمان لأنّ التّواصل يلازمها ، فإنّ البصر الذي لا يكفّ عن الإبصار يكون في تواصل مستمرّ هو أيضا ، ولا يقع إلّا في الزّمان .
ويشهد على ذلك ما يقال عن طريق التّناسب من أنّك تستطيع دائما أن تأخذ من / الحركة جزءا مهما يكن ، ثمّ لا تجد بعد ذلك بداية للزّمان الذي تقع فيه الحركة ومنه تنطلق . كما أنّك لا تجد بداية للحركة ذاتها آنذاك . بل جلّ ما تجده هو أنّ هذه الحركة قابلة للتّقسيم مهما صعدت فيها إلى الجهة التي تقابلك منها . ومن ثمّ فإنّ الحركة ذاتها التي تشاهدها منطلقة في التّحرّك تكون منذ زمان ليس له نهاية ، وتكون هي أيضا مقبلة عليك ممّا ليس له نهاية . إنّ هذا القول ناتج / عن الفصل بين الفعل محقّقا وبين الحركة . يقولون في الفعل محقّقا إنّه لا يتمّ في الزّمان ، أمّا الحركة فيقولون فيها إنّها تحتاج إلى الزّمان . ولا يعنون الحركة المقدّرة بالكمّ فقط ، بل كلّ حركة مطلقا ذاهبين إلى أنّها ، في حقيقتها ، تقتضي أن تكون مقدّرة بالكمّ . على أنّهم يسلّمون مع ذلك بأنّ الكمّ عرض يطرأ عليها ولو كانت تقدّر بنهار أو بقدر آخر / من الزّمان مهما يكن .
فمثلما لا يتحقّق الفعل في الزّمان ، كذلك لا يمنع الحركة مانع من أن تبتدئ مبرّأة من الزّمان ، ويقع الزّمان عليها لأنّها مقدّرة بالكمّ . ولا غرو ، فإنّهم يسلّمون بوجود تغييرات تقع مستقلّة عن الزّمان ، وكذلك في قولهم : « فكأنّما تغيّر لا يتمّ بالدّفعة الواحدة » . وإذا صحّ هذا على التّغيّر ، لما ذا لا يصحّ / على الحركة أيضا ؟ هذا على أنّهم لا يعنون هنا التّغيّر وقد أدرك منتهاه ؛ فإنّ التّغيّر إذا تحقّق وانتهى ، لا حاجة إليه بعد ذلك .
17 ربّما قيل في الفعل محقّقا إنّه لا يحتاج في حدّ ذاته إلى أن يكون جنسا ؛ وكذلك الأمر في الحركة ، بل يمكن ردّها إلى المضاف . فإنّ الفعل محقّقا إنّما هو فعل فاعل بالقوّة ، وإنّ الحركة فعل محرّك بالقوّة من حيث إنّه محرّك . فإن قيل هذا ، وجب علينا أن نقول في المضاف إنّ العلاقة هي التي تولّده ولا / مجرّد القول فيه إنّه متعلّق بشيء آخر . إنّ الشّيء إذا قام في ذاته ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 524
مساهمون: أفلوطين
ص٥٢٤