يصنع له خلقا حسنا بعد أن أبدع في ذاته الأشياء كلّها ، وكان وضعه في ذاته وضعا بلا ألم ولا وجع . فإنّه يلتذّ بالأشياء التي تولّدت منه ويفرح بما أنتج ، / فيمسك الأشياء كلّها لديه وقد قرّ عينا ببهائه وبهائها . كلّ أعقابه يمتازون بالحسن ، وأشدّهم حسنا هم الذين يقيمون معه في باطنه . ولكنّ المشتري كان هو الوحيد بينهم الذي ظهر ابنا إلى الخارج . فبالقياس إليه ، هو الابن الأخير ، يسعنا أن نتبيّن ، ممّا هو بمنزلة الصورة لأبيه ، / عظمة هذا الأب وعظمة أبنائه الباقين معه ، وهم مع المشتري أخوة . ولم يعلن المشتري باطلا عن أنّه أتى من أبيه : فإنّه يجب في عالمه أن يكون ، وهو العالم الآخر الذي صار حسنا بمعنى أنّه على مثال الحسن . ولا غرو ، فإنّه لا يجوز في الصورة الحسنة أن تكون ، ثمّ لا يكون حسن ولا تكون ذات . إنّ الصورة تحاكي الأصل في كلّ وجه من وجوهها / : فإنّ العالم المشتري حياة ، وهي حياة الذات على أنّه شبيه بالعالم الأوّل ؛ وإنّا لنجد فيه الحسن على أنّه حسن جاء من العالم الأوّل أيضا . ثمّ إنّ له بقاءه الدائم على أنّه صورة ، وإلّا لكان العالم الأوّل مع صورة تارة وبدون صورة طورا ، ما دامت الصورة آنذاك ليست صورة مصنوعة ؟ والصورة الطّبيعيّة إنّما تدوم باقية ما دام أصلها باقيا . لذلك ، وما دام العالم الروحاني باقيا ، / فقد أخطأ هؤلاء الذين قالوا بفساد عالمنا ثم ببعثه دامت الصورة آنذاك ليست صورة مصنوعة ؟ والصورة الطّبيعيّة إنّما تدوم باقية ما دام أصلها باقيا . لذلك ، وما دام العالم الروحاني باقيا ، / فقد أخطأ هؤلاء الذين قالوا بفساد عالمنا ثم ببعثه عالما جديدا : فكأنّ الصانع أراد يوما أن يصنعه . إنّهم لا يريدون أن يفهموا ما هو نوع هذا الصّنع الذي نحن في صدده . كما أنّهم يجهلون أنّه ، ما دام ذلك العالم الأوّل حاضرا ، فلن يكون العالم الآخر محجوبا : كان هذا منذ كان ذاك ، وهو لم يزل ولن يزول . هذي عبارات كان لا بدّ لنا من استعمالها / لاضطرارنا إلى الدّلالة على ما نعنيه .
13 إنّ ذلك الإله إنّما كان مقيّدا ليبقى دائما على ما هو في ذاته إذا . فتخلّى لابنه عن الحكم في هذا العالم الكلّيّ . ما كان ليلقى بإله من مقامه أن يتخلّى عن حكمه في الملأ الأعلى ليتولّى حكما حديث العهد ودونه رتبة ، كأنّه ملّ رغدا من التّمتّع بالحسن . هذا وإنّه بعد تنازله عن كلّ ذلك الذي سبق ذكره أقام أباه في حدوده / التي تنتهي إليه هو من فوق ، ثمّ عيّن ما يمتدّ من الطّرف الثاني بعده انطلاقا ممّا كان لابنه نفوذ عليه . فأصبح هو بين العالمين : يتحدّد عالمه بالخلاف الذي يتضمّنه ، قطع ما بينه وبين ما هو فوقه من جهة وبالقيد الذي يمسكه عمّا هو بعده من الجهة السّفلى . فهو في الوسط بين أبيه الذي فوقه ، / وابنه الذي تحته . ولكنّ أباه أعظم من أن يكون على نحو ما يكون الحسن ، فصار هو حسنا أصلا وأوّلا . والنّفس حسناء هي أيضا ، إلّا أنّه هو أحسن منها لأنّها هي أثره . وهي بذلك حسناء طبعا ، على أنّها تكون أشدّ حسنا إذا وجّهت وجهها إلى عالم الروح . ونريد هنا أن نزيد كلامنا بيانا فنقول : إن كانت هذه النّفس ، نفس العالم الكلّيّ / أعني الزّهرة هي ذاتها حسناء ، فما عسى أن يكون حسن الروح ؟ وإن كان حسنها
تاسوعات أفلوطين — صفحة 493
مساهمون: أفلوطين
ص٤٩٣