دواليك حتّى يدرك في آخر المطاف الأصل الأوّل الذي ينبعث الحسن منه . فإذا انتهى إلى هذا الحدّ كفّت أوجاعه ، ولا تكفّ قبل ذلك . / ولكن ، كيف يرتقي ؟ وأنّى له القدرة على الارتقاء ؟
وما هو القول الذي به يرشد هذا العشق ويوجّهه ؟ ألا ، إنّه القول الذي يلي . إنّ الحسن المنتشر على الأبدان إنّما هو حسن طارئ على الأبدان . وإن وجوه الحسن في الأبدان إنّما هي هيئات تحلّ فيها كأنّها في هيولى . وما دام الأمر كذلك ، فقد يتغيّر حامل الحسن ويصير منه حسنا إليه قبيحا . / ويدلّ العقل على أنّ هذا الحامل كان حسنا بالمشاركة إذا . فما هو الذي جعل البدن حسنا ؟ إنّه حضور الحسن من ناحية ؛ ولكنّه النّفس أيضا ومن ناحية أخرى . فهي التي أبرزت البدن في جبلته وخلعت عليه تلك الصورة . ثمّ ما ذا ؟ أتكون النّفس من تلقاء ذاتها حسنا ؟ كلّا ! فربّ نفس حكيمة حسناء ، وربّ أخرى بليدة شنعاء . إن الحسن في النّفوس من الحكمة إذا . /
ومن الذي يمدّ النّفس بالحكمة ؟ ألا ، إنّه الروح لا محالة . ولكنّه لا يقال فيه إنّه يكون روحا تارة وغير روح تارة أخرى ، بل أقلّ ما يقال فيه إنّه الروح حقّا . إنّ هذا الروح إذا حسن من تلقاء ذاته .
وسواء كان يجب علينا أن نقف عند الروح على أنّه الأوّل ، أم كان يجب أن نتجاوزه إلى ما هو وراءه ، فإنّ الروح ماثل أمام الأصل الأوّل . على أنّه ، نظرا إلينا ، / يشبه أن يكون في أروقة هياكل الخير ، يخبر عن كلّ ما يشتمل الخير عليه ، وكأنّه هو انطباع الخير وقد أصبح الخير على أشدّ ما يكون في الكثرة ، مع أنّه ، من وجهه المطلق ، ثابت على بقائه في الوحدة .
3 هذا ولا بدّ إذا من البحث عن حقيقة الروح ، التي أطلعنا العقل عليها على أنّها حقّا والذات صدقا ، مثبتين أوّلا ، عن طريق أخرى نسلكها ، أنّه يجب في حقيقة مثل هذه الحقيقة أن تكون فعلا . أجل ، قد يسخر الناس بالباحث عن الروح إن كان موجودا . مع إنك تجد بعضهم / مترددين في الأمر . ولكنّ الأحرى بالبحث هو السّؤال عن الروح فيما إذا كان على نحو ما وصفناه ، وإن كان أمرا منزّها عن الحسّيّات ، وإن كان هو الحقائق كلّها وموضع المثل في حقيقتها . فإنّ مدار القول هو الآن حول الأسئلة التالية . إنّا نرى الأمور الموصوفة بأنّها موجودة أمورا مركّبة كلّها ، فما بينها أمر واحد تجده بسيطا ، سواء أأحدثته الصّناعة أم أوجدته / الطّبيعة .
أمّا محدثات الصّناعة فإنها تشمل النّحاس أو الخشب أو الحجر ، وهي لا تدرك كمالها مع هذه الموادّ قبل أن تخرج كلّ صناعة مصنوعها : فصناعة تخرج تمثالا ، وأخرى سريرا وثالثة بيتا ، وذلك بأن تخلع المثال الذي ينبعث منها على المادّة التي تقابلها . ثمّ إنّ في الطّبيعة مركّباتها المعقّدة المعروفة بالازدواجات ، / وهي تنحلّ إلى المثال الذي يقع على المزدوجات جميعها .
فالإنسان مثلا ينحلّ إلى نفس وجسد ، والجسد إلى العناصر الأربعة . ثمّ تجد أنّ كلّ عنصر من هذه العناصر مركّب من الهيولى ومن الصورة التي تعمّرها - إذ إنّ هيولى العناصر ليس لها
تاسوعات أفلوطين — صفحة 496
مساهمون: أفلوطين
ص٤٩٦