قواه المنتشرة فيه مجتمعا بعضها إلى بعض . لكنّه لكان أعظم أيضا ، ولكان من العظمة بما لا يوصف لو لم يلحق به شيء يسير من القوّة الجسمانيّة . / لا شكّ في أنّا نصف القوّة في النار أو في الأجسام الأخرى بأنّها قوّة عظيمة ؛ ولكنّ جهلنا للقوّة الحقّ هو الذي يجعلنا نتصوّر النار والأجسام محرقة مبليّة مدمّرة مسخّرة لولادة الأحياء . ولكنها تفسد لأنّها تفسد هي أيضا ، وإنّها تسهم في الولادة / لأنّها تولّد هي أيضا . أمّا القوّة التي في الملأ الأعلى ، فإنّها صاحبة الكيان المحض والحسن الخالص . لعمري ، أين يستوي الحسن محروما من الكيان ؟ وأين يتحقّق الكيان القائم في ذاته والحسن عنه محجوب ؟ فإن الحرمان من الحسن نقصان في الكيان .
ولذلك كان الكيان مرغوبا لأنّه هو / والحسن شيء واحد ، وكان الحسن جذّابا لأنّه هو الكيان بالذات . وما هي الحاجة إلى البحث عن أيّهما يكون السّبب لوجود الآخر ، ما دامت حقيقتهما واحدة ؟ فإنّ ذاتنا الكاذبة هنا ، تحتاج إلى صورة للحسن مكتسبة حتّى تظهر حسناء ، وبوجه عامّ حتّى تكون . وإنّ لها من الكيان بقدر ما أصابت من حسن المثال ، / ومهما أخذت من الحسن ازدادت كمالا . فإنّ الذات الحسنى إن تكن ذاتا أحظى تفرّدا .
10 ولذلك نرى المشتري يتقدّم هو الأوّل لمشاهدة الحسن ، بالرّغم من كونه هو الأقدم بين الآلهة الذين يترأسهم . ثمّ يسير وراءه الآلهة الآخرون والجنّ والنّفوس ، أعني تلك التي تقوى على مشاهدة هذه الأمور . أمّا هو فإنّه يظهر لهم من موضع غير مرئيّ ، / ويرتفع عاليا من فوقهم ، فيشعّ نوره على الأشياء كلّها ويملؤها ضياء . ثمّ إنّه يبهر من في الأسافل ، فيتحوّلون عنه بأنظارهم لعجزهم عن النّظر إليه ، كما يعجزون عن النّظر إلى الشّمس . أمّا الذين يسيرون وراء المشتري فورا ، فإنّهم يطيقون مشاهدة الحسن ويوجّهون وجوههم إليه . وأمّا الآخرون فإنّهم يضطربون ، ومهما ازدادوا بعدا منه ، / ازدادوا اضطرابا أيضا . والذين يشاهدون ، وإن في وسعهم أن يبصروا ، يوجّهون وجوههم له وإلى ما يكون بين يديه . لكن لا يحظى كلّ واحد منهم بالمشاهدة ذاتها دائما . فهذا يحدّد بصره فيرى أصل العدالة وطبعها مشعشعين بالنور .
وذاك تملّك عليه أمره مشاهدة العفّة ، وهي ليست مثل العفّة التي نجدها لدى الآدميّين إذا توافرت لهم . فإنّ عفّة الآدميّين تحاكي / تلك العفّة الروحانيّة . أمّا هذه العفّة المحلّقة فوق الأمور جميعا شاملة بنفوذها كلّ ما يكون في العالم الروحانيّ امتدادا ، فإنّها تشاهد في نهاية المطاف .
وإنّما يشاهدها من توافر لهم ، قبل أن ينتهوا إليها ، أن يشاهدوا الأمور الكثيرة النّيّرة :
الآلهة ، واحدا بعد واحد وكلّهم جميعا ، والنّفوس التي تشاهد الأمور كلّها في الملأ الأعلى والتي نشأت من هذه الأمور جميعها . مما جعل كلّ نفس مشتملة على الأشياء كلّها . فضلا على
تاسوعات أفلوطين — صفحة 490
مساهمون: أفلوطين
ص٤٩٠