تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
أنّ هذه النّفوس ، منذ بدايتها حتّى نهايتها ، مقيمة في الملأ الأعلى ، / وتكون هناك بالقدر الذي طبعت على أن تكون فيه هناك . وكثيرا ما تكون نفوس منها ، كلّ نفس بكاملها ، في الملأ الأعلى ، ما دام التّقسيم لم ينلها البتّة ؛ تلك هي الأمور النّيّرة الكثيرة التي يشاهدها المشتري . ونحن أيضا ، إن كان يدفعنا عشق مثل عشق المشتري ، نشاهد الحسن في نهاية المطاف ، والحسن آنذاك منتشر ، كلّا فوق الأشياء كلّها ، فنصيب شيئا من الحسن الذي في الملأ الأعلى . / فإنّ هذا الحسن يلقي من نوره على الأشياء كلّها ، فيحفل به كلّ الذين وصلوا إلى عالم الروح ، فيصبحون ، هم بذاتهم ، على جانب من الحسن وبهائه . وكثيرا ما يحدث للناس شيء على مثال ذلك إذا ارتقوا موضعا عاليا تكون فيه الأرض حمراء اللّون ، فينتشر هذا اللّون عليهم ويحاكون هم الأرض التي يطئونها . أمّا في الملأ الأعلى ، فإنّ اللّون الذي ظهر ونوّر كان هو الحسن بالذات ، بل بأن يكون الكلّ هو لونا وحسنا في الصّميم أحرى قولا . / فإنّ الحسن ، إذا ظهر ونوّر ، لا يكون شيئا آخر . لكنّ الذين لا يشاهدونه بكامله يتقيّدون بإدراك الحسن فقط . أمّا الذين تمدّد فيهم هذا الكوثر من طرف إلى طرف ، وكأنّه ملأهم وأسكرهم ، فلا يتيسّر لهم أن يبقوا على حال المشاهدة آنذاك ، ما دام الحسن مستوليا على النّفس كلّها . / والواقع هو أنّا لسنا هنا أمام شيء مرئيّ من الخارج يراه الرائي من الخارج أيضا . بل إنّ صاحب البصر الحديد يكون مشتملا ، في ذاته ، على المرئيّ عند ذاك ؛ فالمرئيّ بين يديه حقّا ، ولكنّه يجهل هو ، غالب الأحيان أنّه قابض على المرئيّ ، فينظر إليه كأنّه يظهر له من الخارج . ولا غرو ، فإنّه ينظر إليه على أنّه شيء مرئيّ ، فضلا على أنّه يريد أن ينظر إليه أيضا . ومهما نظرنا إليه على أنّه شيء مشاهد ، ألفيناه خارجا عنّا . ولكنّ الوجه هنا هو أن ننزل إلى المرئيّ فينا ، وأن نظر إليه على أنّه هو ونحن شيء واحد ، / وأن ننظر إليه على أنّه ما نحن عليه في ذواتنا . مثل ذلك مثل من إذا أصبح في قبضة إله استولى عليه ، كفويبوس مثلا أو إحدى ربّات الشّعر ، أنزل في ذاته مشاهدته للإله ، إن كان بوسعه أن يشاهد في ذاته إلها . / 11 فلنفترض رجلا غير قادر أن يشاهد ذاته ، واستولت عليه تلك الحضرة الربوبيّة التي ذكرناها ، فتحوّل إلى هذا المشهد ليراه . ثمّ عاد إلى ذاته ونظر إلى صورته وقد زيد في حسنها . فتخلّى عنها مهما كانت جميلة ، وأقبل على ذاته يوحّدها لئلّا تذهب شيئا بل تكون هي والأشياء كلّها شيئا واحدا مع ذلك / الإله الذي يلزم الصّمت بحضرته . وليقم مع إلهه أخيرا على قدر ما يستطيع وما يشاء . ولنفترض الآن أنّه ، بعد ذلك كلّه ، عاد وانقلب إلى الاثنينيّة . فإنّه ما دام على طهارته ، لا يزال باقيا في قرب الإله ، فيتيسّر له الرّجوع إلى حالته السابقة إذا ارتدّ مرة أخرى وعاد إلى ذاته ؛ على أنّ له بهذه العودة مغنما ، وهو أنّه أخذ يشعر بذاته آنذاك ، ما دام هو شيئا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 491 | أفلوطين