الفصل التاسع ( 5 ) في الروح والمثل والحقّ
1 إنّ النّاس ، في بداية أمرهم ، يلجئون جميعا إلى الإحساس قبل لجوئهم إلى الروح ، فلا غرو ، إن كانت الحسّيّات هي أوّل شيء يتلقّونه . فمنهم من يقفون عند هذا الحدّ ويقضون حياتهم معتقدين في هذه الحسّيّات إنّها علوم الأوّلين والآخرين . فيتصوّرون أنّ ما يقع فيهم من ألم أو لذّة إنّما هو الشّرّ أو الخير ، / ويرون أنّهم حسبهم عملا الّا يزالوا في طلب هذا أو ردّ ذاك .
ثمّ إنّ الذين يقدّرون العقل من بينهم - وما أضعف تقديرهم - يسمّون هذا العلم حكمة . فما أشبههم بالطّيور الثّقال التي لحق بها الكثير من التّراب فأثقلها فعجزت عن الطّيران في الجوّ ، ولو كانت الطّبيعة قد كفلت لها أجنحتها . / ومنهم طبقة ثانية ارتفعوا عن الدّنايا قليلا إذ دفعهم الأصل الأفضل من نفسهم على طلب اللّذيذ إلى طلب الأصلح . ولكنّهم عجزوا عن الاستشراف إلى الملأ الأعلى إذ لم يقابلهم هنالك ما يستقرّون عليه ، فهبطوا بمسمّى الفضيلة إلى حيّز العمل وإيثار الدّنيا التي عزموا من قبل على الترفّع عنها . / ولكن ثمّة طبقة ثالثة هي طبقة الرّجال الرّبّانيّين ذوي القدرة الفائقة والبصر الحديد . إنّهم شاهدوا البهاء في الملأ الأعلى بما هو لديهم كأنّه النّظر الثاقب ، فارتقوا إلى عالم الروح وكأنّهم فوق سحب الأرض وكدوراتها . ثمّ أقاموا هنالك ينظرون من عل إلى دنيانا بكلّ ما فيها ، ولذّت لهم الإقامة في هذا المقام الحقّ وهو مقامهم حقّا . / فما أشبههم بالمرء طال به التّيهان ثمّ عاد إلى قومه ينعم معهم بالنّظم والأحكام العادلة .
2 فما عسى أن يكون مقاما هذا المقام ؟ وكيف ننتهي إليه ؟ إنّما ينتهي إليه من كان العشق من طبعه ، وكانت الفلسفة نزعته الصادقة فطرة وجبلة . فإنّه ، ما دام عاشقا ، في حال الوضع وأوجاعه إزاء الحسن وبهائه . لكنّه لا طاقة له بالحسن في الأبدان ، فيفرّ منه طالبا حسن النّفوس / في فضائلها وعلومها وصالحاتها ونظمها الحكيمة . ثمّ يرتقي منها إلى أسباب الحسّ في النّفوس ، ويواصل في الارتقاء إلى ما هو قبل ذلك إن كان قبل ذلك شيء . وهكذا