صحيحا صادقا ما رآه في المنام . / فإن أيقظه موقظ ، رفض أن يصدّق بما يراه بأمّ عينيه وهي مفتوحة ، فعاد إلى نومه .
12 ينبغي أن ننظر إلى كلّ شيء بالملكة التي يجب فيها أن ندركه بها ، فندرك شيئا بالعين وآخر بالأذن وهلمّ جرّا . كما أنّه يجب أن نصدّق بأنّ الروح يرى أشياء أخرى والّا نتصوّر العرفان أنّه السمع أو البصر ، فكأنّا نكلّف الأذن بأن ترى ثمّ ننفي على الصّوت وجوده لأنّه لا يشاهد . هذا ولنذكر أيضا أنّ الآدميّين / غافلون عمّا هم في اشتياق إليه ، ويرغبون فيه منذ بداية أمرهم حتّى يومنا هذا . فإنّ الأشياء كلّها تنزع إلى ذلك الأصل وترغب فيه بحكم فطرتها ، فكأنّها شاعرة بأنّها لا يتيسّر لها علم بدونه . إنّ إدراك الحسن إنّما هو أمر متوافر للذين أصبحوا كأنّهم في حال العلم واليقظة ، وكذلك القول في إعجابنا به وتهيّج شوقنا إليه . / أمّا الخير ، ما دام أنّه لم يزل فينا بدافع فطريّ ، فإنّه حاضر لدينا ونحن نائمون . فلا يثير فينا إعجابا إذا شاهدناه لأنّه معنا دائما وما كنّا يوما لنتذكره . إنّا لا نشاهده لأنّه حاضر فينا ونحن نائمون . أمّا الحسن ، إن بدا ، فإنّ الشّوق إليه يولّد فينا أوجاعا لأنّا ، إذا شاهدناه ، تهيّجت لدينا الرّغبة فيه لا محالة . /
وهو شوق من المقام الثاني لهذا الشّوق ، ما دام أنّه يقع فينا وقد ازددنا إلماما به . ممّا يدلّ على أنّ الحسن إنّما هو من المقام الثاني هو أيضا . أمّا الرّغبة التي تنبعث قبل هذا الشّوق والتي لا نحسّ بها ، فإنّها تدلّ على أنّ الخير أقدم من الحسن وأنّه قبله أيضا . هذا وإنّ الناس جميعا ، إذا أدركوا الخير ظنّوا أنّهم حسبهم ما أصابوا ، إذ إنّهم قد أدركوا الغاية . أمّا الحسن فإنّ الناس جميعا / لا يرونه محقّقا ، فضلا على أنّهم يظنّون في الحسن أنّه حسن لذاته هو ولا لمن يراه ، مثلما هو الأمر مع الحسن في دنيانا : إنّ الحسن هنا ، إنّما هو حسن صاحبه فقط . وحسب الحسان من الحسن مظاهره ، حتّى ولو لم يكنّ حسانا . أمّا الخير ، فلم يرد الناس يوما أن يكون في المظاهر . ولا غرو ، فإنّا نجاهد بخاصّة في سبيل الوصول إلى الأوّل ، فنزاحم الحسن / ونغار منه على كونه أمرا مبتدعا مثلما أنّا نحن أيضا مبتدعون . مثل ذلك مثل من إذا كان في الرّتبة الأخيرة من حاشية الملك ، فأخذ يحاول أن يصير في منزلة من يأتي فورا بعد الملك ، وهو يفعل مدّعيا بأنّه مع صاحب هذا المقام في خدمة الملك الواحد ذاته . فإنّه يجهل أنّهما كليهما مرتبطان بالملك ، وإن يكن صاحب ذلك المقام قبله . وسبب خطئه هو أنّ الرّجلين كليهما مشتركان / في الأخذ من الأصل الواحد الذي هو قبلهما . فضلا على أنّ الخير في الملأ الأعلى لا يحتاج إلى الحسن ، في حين أنّ الحسن يحتاج إلى الخير . ثمّ إنّ الخير إنّما هو ذو فضل ومصلح وهو الألطف ، سرعان ما يلبّي طلبنا إذا ما طلبناه . أمّا الحسن فإنّه يثير فينا الدّهشة ويصرعنا ، ويحمل إلينا اللّذّة ممزوجة بالألم . / ثمّ إنّه يسحبنا من قرب الخير سحبا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 470
مساهمون: أفلوطين
ص٤٧٠