الفصل السادس ( 24 ) في أنّ العرفان لا يتحقّق لدى ما يكون وراء الحقّ ، وفي العارف أوّلا والعارف ثانيا وما هما
1 قد يعرف العارف غيره ، وقد يعرف ذاته أيضا فيكون بذلك أبعد عن الاثنينيّة . في الحالة الأولى يريد العارف أن يعرف ذاته أيضا ولكنّه عاجز عن نيل مراده . فإنّ ما يشاهده إنّما هو حاضر بين يديه ، ولكنّه شيء يختلف عنه . أمّا في الحالة الثانية ، فإنّ العارف لا يكون منفصلا عن ذاته متّحدا بذاته فيشاهد ذاته فيصبح ذا طرفين مع كونه واحدا . / ثمّ إنّه على أصدق ما يكون عرفانا لأنّ ما يعرفه إنّما هو بين يديه ، وهو يعرف أصلا لأنّه يجب في العارف أن يكون واحدا وأن يكون اثنين في آن واحد . هذا وإنّه لو لم يكن واحدا ، لأصبح العارف شيئا والمعروف شيئا آخر . فلم يعد العارف آنذاك عارفا أصلا : فإنّه ، ما دام يتلقّى العرفان عن غيره ، لا يكون العارف أصلا ، إذ إنّه لا يكون ما يعرفه بين يديه على أنّه من ذاته ، فلا يكون هو هو ذاته . أو إن شئنا فلنقل / : إن كان ما لديه على أنّه هو ذاته ، فيكون هو عارفا حقّا ، أصبح الطّرفان شيئا واحدا .
ومن ثمّ فإنّه يجب في الطّرفين أن يكونا شيئا واحدا . ثمّ إنّه لو كان واحدا ولم يكن اثنين من ناحية أخرى ، لما كان ما يعرفه حاضرا بين يديه ، وبالتالي لما كان هو عارفا . يجب فيه إذا أن يكون بسيطا من ناحية وغير بسيط من ناحية أخرى . وربّما كان مأخذنا لهذا الأمر على ما هو عليه في ذاته إن انطلقنا من النّفس / وارتقينا .
فإنّ التّمييز بين الطّرفين يسهل علينا معها ويكون إدراك الازدواجيّة أسهل أيضا . لنتصوّر نورا مزدوجا إذا ، تكون النّفس منه في المقام الأدنى ويكون معروفها الروحانيّ في المقام الأزكى . ولنتصوّر بعدئذ النور المشاهد مساويا للنور المشاهد . فإنّا آنذاك لا يسعنا أن نميّز بين الطّرفين ونفصل بينهما فنحكم على النورين أنّهما نور واحد : فالعارف يعرف أنّهما كانا نورين ، / ولكنّ المشاهد يرى نورا واحدا . فندرك بذلك الفرق بين العارف والمعروف . هذا وإنّا ، في مثلنا ، جعلنا الاثنين واحدا ، والواقع هو أنّ أمرنا هنا إنّما يصير شيئين اثنين بعد أن كان واحدا ، لأنّه لا يعرف إلّا أن يجعل ذاته اثنين . أو بالأحرى إنّه يصبح اثنين لأنّه يعرف ويكون واحدا لأنّه يعرف ذاته .