8 فأشكل عليه أمر هذا النور من أين ظهر ، من الخارج أم من الباطن ؛ ثمّ أخذ يقول بعد انسحاب النور : « لقد كان نورا في الباطن ؛ ومع ذلك فإنّه لم يكن نورا في الباطن » . ألا ، بل إنّه يجب في هذا النور الّا يبحث عنه من أين جاء . فإنّه لا يأتي يوما ولا ينسحب ، بل يظهر تارة وطورا يختفي . ولذلك ينبغي عليك الّا تجدّ في طلبه ، بل أن تلتزم السّكينة حتّى يظهر ، / فتستعدّ إلى أن تكون مشاهدا ، مثلما العين تنتظر شروق الشّمس . فإنّ الشّمس ، إذا أشرقت فوق الأفق ( من الأقيانوس ، كما يقول الشّعراء ) عرضت ذاتها مشاهدة للعيان . أمّا هذا الأمر الذي تحاكيه الشّمس محاكاة ، فمن أين يأتي ليشرف علينا ؟ وما ذا يجاوز حتّى يظهر ؟ ألا ، إنّه يشرف على / الروح ذاته الذي يشاهد . فيبقى الروح ساكنا في مشاهدته ولا ينظر إلى شيء إلّا إلى الحسن في ذاته ، موجّها وجهه له ومستسلما إليه . إنّه ليمسك ويستقرّ في ما هو عليه كأنّه حافل ، فيرى ذاته أوّلا وقد ازداد حسنا وأخذ يشعّ إشعاعا ، إذ إنّ ذلك الأصل أصبح منه قريبا . / أمّا هذا الأصل ، فلا يقال فيه إنّه أتى ، كما هو المتوقّع . بل إنّه يقبل على أنّه غير مقبل ، لأنّه يظهر ولا يأتي . ولا غرو ، فإنّه حاضر قبل الأشياء كلّها ، بل قبل وصول الروح . فالمقبل إنّما هو الروح حتما ، وهو الذي ينسحب أيضا ، لأنّه لا يدري أين يجب عليه أن يقيم ، ولا أين يقيم ذلك الأصل إن لم تكن له إقامة في شيء قطّ . ولو كان بوسع / الروح ذاته الّا تكون له إقامة بوجه من الوجوه - لا بمعنى أنّه يقيم في مكان ، إذ إنّ الرّوح هو أيضا ليس في مكان ، بل إنّه منزّه عن المكان تنزيها مطلقا - لكان ينظر إلى ذلك الأصل دائما . أو بالأحرى إنّه لا ينظر إليه حينذاك ، بل يصبح معه شيئا واحدا لا شيئين . وهو ما دام روحا إنّما ينظر لكونه روحا إلى الأصل الأوّل ، إذ ينظر إليه ، بغير الذي يكون منه وهو روح . /
عجبا له من أصل ! كيف يكون حاضرا وهو غير مقبل ، وكيف لا / يقيم في وجه من الوجوه ثمّ لا يكون وجه لا تجده فيه . أجل ، لقد يملك العجب من هذا الأمر بما هو عليه في ذاته . أمّا لدى العارف ، فإنّ العجب يأخذ منه مأخذ مما يكون خلاف ذلك إن كان . أو بالأحرى ليس خلاف ذلك ممكنا ، حتّى يملك العجب عليك أمرك . فدونك الآن شرح الواقع كيف يقع .
9 كلّ شيء أحدثه غيره ، إنّما يكون أما في ذلك الذي أحدثه بالذات أو في شيء آخر ، إن كان بعد الذي أحدث هذا الشّيء شيء آخر . ذلك لأنّه ما دام الشّيء شيئا أحدثه غيره ومحتاجا ، في ابتدائه ، إلى غيره ، فإنّه يحتاج إلى غيره دائما ، ويكون دائما « في غيره » . إنّ الأواخر من الأشياء إنّما فطرت على أن تكون في الأواخر المتقدّمة عليها إذا ، / وهذه في ما يكون قبلها ، وهكذا من آخر إلى آخر يتقدّمه ، حتّى ننتهي إلى الأوّل الذي يكون هو الأصل حقّا . أمّا الأصل ، ما دام لا يتقدّمه شيء ، فلا يحلّ في غيره مهما يكن . ثمّ ما دام ليس له شيء يحلّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 467
مساهمون: أفلوطين
ص٤٦٧