تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
ونحن لا ندري ، كما يسحب الحبيب حبيبه من بيت أبيه . إنّه للأحدث ، والخير هو الأقدم ، لا بالزّمن ، ولكن بالكيان الحقّ ، وهو الذي يتمتّع بالقوّة الأولى . بل إنّه متمتّع بالقوّة كلّها ، في حين أنّ ما يتأخّر عليه لا يتمتّع بالقوّة كلها ، بل بالقدر الذي يبقى منها متخلّفا على الخير منبعثا منه . ومن ثمّ فإنّه السّيّد على هذه القوّة ، / ما دام لا يحتاج إلى ما ينشأ منبعثا عنه . بل إنّه يدع ما نشأ كلّه وبأسره إلى سبيله ، لأنّه لا يحتاج قطّ إليه ، ما دام باقيا أبدا على ذاته في ما كان عليه قبل أن ينشأ عنه ما نشأ . ثمّ إنّه لا يبالي بالحادث فيما لو لم يحدث ، كما أنّه لا يضنّ ، حاسدا ، بالكيان لحادث آخر إن تيسّر له أن ينبعث عنه . / لكنّ الواقع هو أنّه لا سبيل الآن لحادث أن يحدث إذ إنّه ليس من حادث إلّا وقد حدث ما دامت المحدثات كلّها قد حدثت . إلّا أنّه لم يكن هو الأشياء كلّها حتّى يكون في حاجة إليها ، بل إنّه ، ما دام متعاليا عليها جميعا ، كان بوسعه أن يبدعها ويدعها لشأنها بعدئذ قائمة في ذواتها مع ذواتها ، وهو يحلّق فوقها مشرفا عليها . 13 يجب فيه إذا ، ما دام هو الخير المحض ، ولا يوصف بأنّه خيّر ، الّا ينطوي قطّ على شيء ، حتّى على شيء يوصف بالخير . وإن كان منطويا على شيء ، فإنّ ما ينطوي عليه يكون إمّا شيئا موصوفا بالخير وإمّا شيئا غير موصوف بالخير . لكنّ غير الموصوف بالخير لا يكون في ما هو الخير أصلا وأوّلا ، كما أنّه لا يقال في الخير المحض إنّه « يملك » الخير . فإن لم يكن حاصلا لا على « غير الخير » ولا على الخير ، فإنّه ليس بين يديه شيء . / وإن لم يكن بين يديه شيء ، فهو وحده ، معزولا عن كلّ ما هو سواه . وإذا لم يكن فيه شيء من الأمور الأخر ، سواء أكانت موصوفة بالخير وما هي بالخير المحض ، أم غير موصوفة بالخير ، فإنّه ، إذ لم يكن لديه شيء ، هو الخير المحض ، لأنّه منزّه عن كلّ شيء . وإن أضيف إليه شيء ، مهما يكن ، ذاتا أو روحا أو حسنا ، بطل من حيث كونه / الخير المحض . دع الأشياء كلّها جانبا إذا ، ولا تقل فيه شيئا ، ولا تخطئ بقولك في شيء إنّه بين يديه ، بل دعه هو كما هو عليه في ذاته ، ولا تصفه بوصف من الأوصاف التي ليست فيه . وإن فعلت ، إنّما كنت مثل الخطيب الذي يقول مدحا وهو لا علم له بالفنّ ، فيخفض شأن ممدوحيه إذ ينسب إليهم / دون ما هم أهل له ، وقد أشكل عليه القول الحقّ في الذين خصّهم بمدحه . لنحرص ، نحن أيضا إذا ، على الّا ننسب إلى الخير المحض شيئا مما بعده أو دونه . بل يجب فيه أن يحلّ فوق هذه الأمور كلّها وأن يكون سببها ، لا أن يكون هو هي في ذاتها . ونعود هنا إلى القول في حقيقة الخير إنّها ليست هي الأشياء كلّها ، / كما أنّها ليست شيئا من الأشياء . فإنّها لو كانت كذلك لأصبحت ، مع الأشياء كلّها ، خاضعة لحكم واحد . وما دامت خاضعة لحكم واحد مع الأشياء ، فإنّها لن تختلف عنها إلّا بوصفها الخاصّ وبفصلها وأعراضها . ويكون الخير المحض آنذاك اثنين ، لا واحدا : فهو ليس الخير بأحد طرفيه ، ذلك
تاسوعات أفلوطين — صفحة 471 | أفلوطين