2 يجب في الروحانيّات الّا نطلبها خارج الروح إذا ، والّا نقول فيه هو إنّه ينطوي على انطباعات للحقائق . كما أنّه يجب الّا نحرمه من الحقّ الصّراح فنجعل الروحانيّات مجهولة في ذاتها ، بل لا وجود لها ، فضلا على أنّا بذلك نحكم على الروح بالزّوال ، فلا بدّ من إبراز المعرفة والحقّ الصّراح ، ومن الحرص على الحقائق كلّها ، / ومن معرفة الشّيء ما هو . ولست أعني معرفة الشّيء كيف هو ، إذ إنّا لا ندرك عند ذاك إلّا صورة منه وأثرا ، فلا نحصل على تلك الأمور ولا نتّحد بها ولا نتمازج معها . وما دام ذلك كذلك ، وجب أن نردّ الأشياء كلّها إلى الروح الحقّ الخالص : فيعلم الروح آنذاك ويعلم حقّا ، ولن يعتريه النّسيان ، ولن يتحوّل ساعيا . / ثمّ إن الحقّ الصّراح يستقرّ فيه ، ويصبح هو مقاما للموجودات ، فيكون ذا حياة وذا عرفان . يجب في هذه الأمور كلّها أن تتوافر لتلك الحقيقة الفائقة سعادتها ، وإلّا ، فأين يكون شرفها وكرمها ؟ ولا يحتاج الروح ، وهو على هذه الحالة ، إلى استدلال وإلى إقناع على أنّه كذلك هو : أجل ، إنّه كذلك هو ، وهو جليّ لذاته بما هو عليه في ذاته ؛ / كما أنّه لا يحتاج إلى دليل ، إن كان شيء متقدّما عليه ، على أنّه منبعث هو من هذا الشّيء ؛ وإن كان بعد ذلك الشّيء شيء ، على أنّه هو هذا الشّيء الآخر ( وليس من شاهد أصدق منه على ذاته ) ؛ وعلى أنّه ، في الملأ الأعلى ، هو ذلك كلّه وحقّا . ومن ثمّ فإنّه هو الحقّ الصّراح حقّا ، ذلك الذي ليس بكونه متوافقا مع غيره ، بل مع ذاته هو ، فلا يكشف عن شيء يختلف عنه ، بل إنّ ما يخبر عنه إنّما هو ما هو عليه في ذاته ، وما هو عليه في ذاته فذاك هو الذي يخبر عنه . ومن يستطيع أن يكذّبه بعد ذلك ، وأنّى يأخذ ما يكذّبه به ؟ / إنّ التّكذيب إذا وافق في حكمه الخبر الذي جاء لنقضه أصبح هو هذا الخبر طبقا لما يكون عليه في أصله ، ويكون الطّرفان شيئا واحدا . فإنّك لن تجد شيئا غير الحقّ أصدق من الحقّ .
3 ها هي ذي تلك الحقيقة الواحدة تبرز أمامنا إذا : هي الروح ، أعني الأشياء كلّها والحقّ المبين . وإن كان الأمر كذلك ، فإنّ الروح إله عظيم . أو بالأحرى ، ليس هو إلها من بين الآلهة ، بل يرى أنّه الإله الكلّيّ بكونه الأشياء كلّها . وهذه الحقيقة إنّما هي إله ، وهي إله من المقام الثاني تكشف عن ذاتها قبل أن تشاهد الإله الأعظم . أمّا هذا الأعظم فإنّه جالس فوقها وقد استوى عليها ، ما دامت على هذه الحال ، كأنّها عرشه / الذي لا يزال مرتبطا به . يجب في هذا الإله الأوّل ، إذا أقبل ، الّا يقبل وهو مستو على جماد غير ذي نفس أو على النّفس مباشرة ، بل يتقدّمه ما يكون في منتهى الحسن والجمال . كذلك يسير أمام الملك في مواكبة أصحاب الرّتب السّفلى أوّلا ، ثمّ يأتي أصحاب المقامات التالية على ازدياد في الجاه والمهابة ، / ثمّ حاشية الملك بأفرادها المقرّبين إليه ، ثمّ من يلي الملك على الفور شرفا وجاها . ويظهر الملك بعد
تاسوعات أفلوطين — صفحة 462
مساهمون: أفلوطين
ص٤٦٢