تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
الشّيء في ذاته يختلف عن هاتيك الأمور ، ولا ينطوي على ما يقاس الحكم به من المعايير التي يطمئنّ إليها اليقين . / بل هذه الأصول غريبة عليه ، وهذا هو حال الحقائق منه . ثمّ إنّ الأمور الروحانيّة ، إمّا أن تكون عديمة الإحساس ، لا حظّ لها من حياة وروح ، أو إنّها تكون حاصلة على الروح . فإن كانت حاصلة على الروح ، كان الطّرفان هنالك وكان بذلك الحقّ الصّراح وهو الروح الأوّل . وينحصر بحثنا ، عند ذلك ، في كيف يكون الوضع / الصّحيح بين الروحانيّ المعروف وبين الروح العارف : هل يكونان معا في شيء واحد ، وهما مع ذلك مختلفان ؟ أو كيف تكون العلاقة بينهما ؟ وإن كانت تلك الأمور الروحانيّة عديمة الروح والحياة ، فما عساها أن تكون حقائق ؟ فإنّها ليست « مقدّمات » أو « مسلّمات » أو « مقولات » ، وهي كلّها أوصاف تقال في أشياء تختلف عنها وليست هي الحقائق في حدّ ذاتها . كذلك هو الأمر مثلا في القول : « إنّ العدل حسن » . / فالعدل شيء والحسن شيء آخر . وإن قيل في الروحانيّات إنها أوصاف بسيطة ، فالعدل هنا والحسن هناك ، قلنا : لا يكون العالم الروحانيّ عالما واحدا آنذاك يقوم في الوحدة ، بل يكون كلّ أمر فيه منتبذا ناحيته . هذا أوّلا . ثمّ ما هي الناحية التي يتّجه إليها والأمكنة التي ينتشر عليها ؟ وكيف يأتي عليها الروح جاريا ؟ بل كيف يبقى ساكنا ؟ وكيف يبقى في ذاته على حاله ؟ / وبوجه الإجمال ، ما عسى أن يكون له من انطباعة أو صورة ؟ إلا إذا عرضت هذه الروحانيّات للروح كأنّها بمنزلة آثار من ذهب أو من مادة أخرى صنعها نحّات أو رسّام . وإن كان ذلك كذلك ، كان الروح المشاهد إحساسا . ولما ذا يكون أحد الأمور الروحانيّة آنذاك هو العدل ، والأمر الآخر شيئا آخر ؟ هذا وإنّ الأمر الأعظم هو التالي : إن / سلّمنا في هذه الأمور أنّها مستقلّة عن الروح استقلالا تامّا ، وأنّ الروح يشاهدها وهو على هذه الحال ، فإنّ إدراكه لها ينبغي بالضرورة الّا يكون إدراكا صحيحا وإنّما يكون الروح في كلّ ما شهده كذوبا . والحقّ أنّ تلك الأمور ليست سوى الصّدق خارجا ؛ ثمّ إنّ الروح يشاهدها من غير أن يكون بين يديه ، ولا يتلقّى منها في إدراكه على ما وصفناه إلّا أشكالها . / وما لم يدرك الحقّ الخالص ، ولم يكن لديه منه إلّا شكله الظاهر ، يمسي حاصلا على زيف كاذب ليس له من الحقّ خلاق . وإذا علم الروح بأن ليس لديه إلّا مسخ كذوب ، ساقه عمله إلى الاعتراف بأنّه لا حظّ له من الحقّ الصّراح . ولكنّه إن كان عن ذلك غافلا ، وظنّ أنّ لديه محض الحقّ وهو خلو منه ، كان الكذب الذي فيه كذبان ، / وازداد هو بعدا عن الحقّ المبين . ولذلك لا ينطوي إدراك الحواسّ على الحقّ الصّراح ، فيما أرى ، بل على الظّنّ ، وإنّما كان ظنّا لأنّه يتلقّى تلقّيا : وإذا كان ظنّا ، كان ما يتلقّاه شيئا وما يأخذ منه ما تلقّاه شيئا آخر . وإن لم يكن إذا في الروح محض الحقّ ، / فلن يكون الروح على ذلك هو الحقّ خالصا ، بل لن يكون روحا حقّا ، وما كان ليكون من الروح في شيء . ومع ذلك فإنّ الحقّ الصّراح لا يلتمس قطّ من وجه آخر .