لفظة « أن » ( الحقّ ) على الوجه المستطاع . / وهكذا فإنّ الذي ينشأ ، أعني الذات والكيان ، إنّما يكون مشتملا على صورة ما دام أنّه يخرج جاريا من قوّة الواحد . أمّا النّفس الناطقة ، فإنّها ترى ذلك وتتأثّر بمشاهدته فتتكيّف بما رأت وتنطق بالألفاظ « الحقّ » و « الكيان » و « الذات » و « المعيّن » . فإنّ هذه / الألفاظ كلّها إنّما تريد أن تدلّ على ما نشأ قائما في ذاته ، وقد وصفه الناطق به وهو مجهد ، فتحاكي بقدر إمكانها ولادة الحقّ .
6 ومهما كان وصفنا لهذه الأمور ، فإنّ الذات التي تنشأ إنّما هي مثال ، إذ إنّ ما يخرج من الملأ الأعلى لا يقال فيه إنّه شيء غير المثال . وليس مثال شيء جزئي ، بل إنّه مثال الكلّ ، بحيث أنّه لا يبقى متّسع لمثال آخر بعد ذلك . فلا غروّ إن كان الأصل الأوّل منزّها عن كلّ مثال . وما دام منزّها عن كلّ مثال فإنّه ليس ذاتا ، إذ إنّه يجب / في الذات أن تكون شيئا معيّنا ، أعني شيئا له حدّه . أمّا الواحد فلن يدرك على أنّه شيء معيّن ، وإلّا لما كان أصلا ، بل كان ذلك الشّيء الذي نطقت به فقط . هذا وإن كانت الأشياء كلّها في ما نشأ عن الواحد ، فبأيّ شيء منها تدلّ على الواحد ؟ لكنّه ليس هو شيئا من هذه الأشياء ، فلا يقال فيه إلّا أنّه فوقها ووراءها . غير أنّ هذه الأشياء إنّما هي الحقائق وهي الحقّ أيضا . / إنّه وراء الحقّ إذا . ولا يعني كونه وراء الحقّ أنّه هذا الشّيء أو ذاك ، إذ إنّه لا يثبت فيه شيء ، ولا يدلّ على اسمه ، بل إنه يعني أنّه ليس هذا الشّيء أو ذاك فقط . ثمّ إنّ هذه العبارة ، حتّى ولو كان شأنها أن تدلّ عليه ، فإنّها تدرك منه شيئا . فما أسفهنا محاولين أن نحيط بهذه الحقيقة وهي كالبحر لا ساحل له . / بل إنّ من سعى إلى ذلك ، بعّد ما بينه وبين القدر المحدود اليسير الذي يتاح له في تتبّع أثر الواحد . فإنّ من يريد أن يرى الحقيقة الروحانيّة يتخلّى عن كلّ تصوّر للمحسوس فيشاهد آنذاك ما يكون وراء الحسّيّات ، وكذلك الأمر في من يريد أن يشاهد ما وراء الروحانيّ أيضا . فإذا تخلّى عن كلّ روحانيّ شاهد ، لأنّه بوساطة الروحانيّ إنّما يعلم أنّ الواحد موجود ؛ / ولا بدّ من التّجرّد عن الروحانيّات ، لإدراك الواحد كيف يكون . فضلا على أنّ « الكيف » لديه يدلّ على أنّه « بلا كيف » : فليس من « كيف » لما لا يعرف « بشيء » . لكنّا نقاسي الأمر لنعبّر عنه ، فلا ندري ما عسانا أن نقول فيه ، ثمّ نخبر عمّا لا يناله وصف ، ونسمّيه محاولين أن نصفه لذواتنا على قدر المستطاع . / بل وربّما كان هذا « الواحد » اسمه ينطوي على نفي الكثرة عنه . ولذلك كان الفيثاغوريّون يشيرون إليه فيما بينهم رمزا بنفي الكثرة فيسمّونه « أبولون » ( المنزّه عن الكثرة ) . وإذا تضمّن اللّفظ « الواحد » والاسم المدلول معنى إيجابيّا ، أصبح الأصل الأوّل أشدّ غموضا منه فيما لو لم يذكر له اسم قطّ . وربّما / لجأنا إلى هذه التّسمية بالواحد ، حتّى ينطلق الباحث ممّا يدلّ على البساطة في أحلى معانيها ، فينفي تلك التّسمية في نهاية الأمر . أجل ، لقد وضعها واضعها على أنّها خير ما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 465
مساهمون: أفلوطين
ص٤٦٥