والثّلج يبرّد والدّواء يفعل في غيره أفعاله . وهكذا كلّ شيء حسب ما يكون عليه في ذاته .
فالأشياء كلّها تقلّد الأصل في قدرته تحقيقا للدّوام والجودة . فكيف يبقى في ذاته ما كان هو الأكمل وهو الجود الأوّل ، فكأنّه يبخل بذاته ؛ أو أصابه / العجز وهو القدرة على كلّ شيء ؟ ثمّ كيف يكون هو الأصل بعد ذلك ؟ لا بدّ من أن ينشأ منه شيء إذا ، ما دام ثمّة شيء ينبعث من الأمور الأخرى ، وهي تستمدّ منه قيامها في ذواتها ، إذ إنّها تستمدّ منه هذا القيام لا محالة .
فالواقع هو أنّه يجب في أصل الأمور المتأخّرة أن يكون هو الفائق الإكرام . كما أنّه يجب في مولوده الأوّل أن يكون فائق الإكرام أيضا وهو / صاحب المقام الثاني نظرا إلى الأصل الأوّل ، وأفضل الأشياء كلّها .
2 إن كان الروح ذاته هو الأصل المولد ، وجب في الذي يليه أن يكون دون الروح ؛ ولكنّه يكون أقرب الأشياء إليه وشبيها به . إلّا إنّه ما دام الأصل المولد فوق الروح ، فالمولود إنّما هو الروح لا محالة . وما باله لا يكون هو الروح ، والعرفان فعله ؟ إنّ العرفان يشاهد المعروف وهو موجّه إليه / وكأنّ المعروف يسوقه إلى كماله ويكمله . فهو في ذاته لا وجه له ولا حدّ مثل الإبصار ، والمعروف هو الذي يحدّده . ولذلك قيل : « إنّ المثل والأعداد إنّما تنبعث من الثّنائيّة والواحد » . فالمثل والأعداد ، ذلك هو الروح . ولذلك لم يكن الروح بسيطا ، بل إنّ فيه أشياء كثيرة ، وهو ينكشف عن تركيب فيه ، ولو كان تركيبا روحانيّا ، كما أنّ مشاهدته إنّما تتناول فعلا أشياء كثيرة . / ثمّ إنّه هو ذاته أمر معروف ، ولكنّه عارف أيضا : فها هو ذا اثنان فعلا . كما أنّه يختلف عن الواحد بأنّه أمر معروف متأخّر عن الواحد .
ولكن كيف ينبعث هذا الروح من الأمر المعروف ؟ إنّ الأمر المعروف هو باق مع ذاته في ذاته ، وليس ناقصا من المشاهد والعارف ؛ وأقول في العارف إنّه ناقص نظرا إلى ذلك الأمر المعروف / : فلا يكون ، وهو كذلك ، كأنّه عديم الإحساس بل يكون منه كلّ ما معه وفيه ، وهو يميّز حاله من كلّ وجه . ثمّ إنّ إدراكه لذاته بما هو في منزلة الشّعور بالذات ، إنّما يتمّ في سكون دائم وعرفان يختلف عن العرفان الذي يتمّ في الروح . وإذا نشأ شيء بعد ذلك ، وهو باق كذلك / على ما هو في ذاته ، فإنّ هذا الشّيء إنّما عنه شيئا ، وهو آنذاك على ما هو في ذاته بأشدّ ما يمكن أن يكون . إنّ الذي ينشأ إذا ينشأ منه ما دام هو باقيا كما هو عليه في ذاته طبعا ؛ ويمضي الكون والصّيرورة في حين بقائه هو كما هو عليه في ذاته . ثمّ ما دام هو باقيا أمرا معروفا ، فإنّ الذي ينشأ إنّما يكون عرفانا . وما دام هذا عرفانا وهو عرفان يدرك ما عنه نشأ - إذ إنّه ليس له مدرك آخر - فإنّه يصبح روحا . / وهو آنذاك كأنّه أمر معروف ، وكأنّه هو ذلك الأمر المعروف ، جاء على صورته ومثاله . ولكن كيف نشأ مع كون ذلك الأصل باقيا في ذاته ؟ إنّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 458
مساهمون: أفلوطين
ص٤٥٨