الفصل الرابع ( 7 ) في كيف ينبعث عن الأوّل ما هو بعد الأوّل ، وفي الواحد
1 إن كان بعد الأوّل شيء ، فهو من هذا الأوّل حتما . فإمّا أن يكون منه سواء بلا توسّط ، وإمّا أن يردّ إليه بتوسّط ما بين الطّرفين ، فيكون نظام الثّواني والثّوالث : فالثاني يردّ إلى الأوّل ، والثالث إلى الثاني . ذلك لأنّه لا بدّ من أن يكون شيء قبل الأشياء كلّها وهو بسيط . فيكون مختلفا عمّا يتأخّر عليه ، / قائما في ذاته مع ذاته ، ليس مختلطا بما ينبعث عنه ، وبوسعه ، مع ذلك ، أن يكون حاضرا إلى غيره من وجه آخر . فهو الواحد حقّا ، وليس بمعنى أنّه كان شيئا ما أوّلا ثمّ أصبح واحدا . هذا وإنّ القول فيه إنّه واحد إنّما هو إفك مبين ، إذ لا يناله نطق ولا علم ، بل يقال فيه إنّه فوق الذات . فلو لم يكن بسيطا بعيدا عن كلّ عرض / وتركيب ، ولو لم يكن حقّا لما كان هو الأصل . ثمّ إنّه يفوق الأمور كلّها اكتفاء بذاته ، بكونه بسيطا وأوّلا . فإن لم يكن الأوّل كان في حاجة إلى ما قبله ؛ وما لم يكن بسيطا ، كان في حاجة إلى البسائط التي فيه حتّى منها ويستوي . يجب في ما هو من هذا المقام أن يكون وحده واحدا ، لأنّه لو كان في مقامه شيء آخر / لأصبح الطّرفان شيئا واحدا . فإنّا لا نشير بقولنا هذا إلى جسمين أو إلى أنّ الواحد إنّما هو الجسم الأوّل ، إذ إنّ بسيطا لن يكون جسما قطّ ، والجسم حادث وليس أصلا ؛ أمّا الأصل فغير حادث . وما دام هذا الأصل غير جسمين وواحدا حقّا فذاك هو الأوّل .
هذا وإن كان بعد الأوّل شيء يختلف عنه ، فليس هذا الشّيء بسيطا إذا / : إنّما يكون واحدا ذا كثرة . فمن أين ينبعث ؟ من الأوّل . ذلك لأنّه لم يكن وليد الاتّفاق والمصادفة ، وإلّا لما كان ذلك هو أصل الأشياء كلّها ، وكيف ينبعث من الأوّل إذا ؟ إن كان الأوّل كاملا ، وأكمل من الأشياء كلّها ، وكان هو القدرة الأولى ، وجب فيه أن يكون الأقوى بين الحقائق كلّها ، / ووجب في الحقائق القديرة الأخرى ، على قدر ما تكون قديرة ، أن تقلّده في حوله وقوّته . فإنّ سائر الأشياء إذا أدركت كمالها ، نراها تلد ولا تطيق أن تبقى مع ذاتها في ذاتها ، بل إنّها تحدث شيئا آخر . ولا يصدق هذا القول على ما يكون صاحب إرادة ، بل على الأشياء التي تنشأ بدون إرادة ، وحتّى على ما لا نفس له : فإنّه يعطي من ذاته على قدر / استطاعته . فالنار تسخّن مثلا ،