الأمور حاضرة آنذاك بحيث أنّها لا تختلف عن الحياة ، بل تكون هي الحياة ذاتها . وإذا توفّرت له الحياة كلّها على صفائها ، وجدت النّفس الكاملة كلّها والروح كلّه ، وما فاته شيء من حياة ومن روح . فهو مكتف مع ذاته في ذاته ، / ولا يسعى وراء شيء . وإن لم يكن يسعى وراء شيء ، فإنّ لديه في ذاته ما كان قد سعى وراءه لو لم يكن حاضرا . إنّه ينطوي في ذاته على الخير إذا ، أو على ما هو من نوع الخير ونسمّيه الحياة والروح ، أو على شيء يلتحق بهما . ولكن إن كان هذا هو الخير المحض بالذات لما كان فوق هذه الأمور شيء . أمّا إذا كان فوق هذه الأمور شيء ، فإنّ لما ينبعث من هذا الشّيء حياة / موجّهة إليه ، مرتبطة به ، مستمدّة من قيامها في ذاتها ، وهي حياة ثابتة باتّجاهها إليه . فإنّ هذا الشّيء إنّما هو الأصل لما ينبعث منه . ويجب في هذا الأصل أن يكون أشرف من الحياة ومن الروح إذا . فيتيسّر عند ذاك للحقيقة المتأخّرة عنه أن توجّه إليه الحياة الكامنة فيها ، وهي الحياة تحاكي ما ينطوي عليه ذلك الأصل ويحيا به ، / كما أنّها توجّه إليه الروح الكامن فيها ، وهو روح يحاكي ما ينطوي عليه ذلك الأصل ، مهما يكن ما هو عليه في ذاته .
17 ما عسى أن يكون أسمى من الحياة وهي على أشدّها انقيادا إلى الحكمة وتنزّها عن الضّلال والخطأ ، وأشرف من الروح المشتمل على كلّ شيء ومن الحياة الفائقة والروح الفائق ؟
إذا أجبنا : « إنّما هو ذلك الذي أحدثها » ، فكيف أحدثها ؟ وإن لم يظهر شيء يكون فوق الروح ، فإنّ كلامنا لا يجاوز هذا إلى شيء آخر جديد ، بل يقف عند الروح . / ولكنّه يجب أن نرتقي إلى ما فوق ذلك لأسباب كثيرة ، من بينها أنّ اكتفاء الروح بذاته إذ كان من الأشياء كلّها قوامه ، إنّما هو اكتفاء ، من الخارج يأتيه ؛ وإنّ كلّ واحد من هذه الأشياء ناقص في ذاته . وما دام كلّ شيء ينال شيئا واحدا من الذات ، وهو واحد بالاشتراك ، فإنّه ليس هو الواحد بالذات . فما عسى أن يكون ذلك الذي ينال / الروح منه بالشّركة وهو بكيان للروح وما يصحبه من الأشياء كفيل ؟ لكنّا نقول : إن كان ذلك الأصل هو الذي يكفل لكلّ شيء كيانه ، وإن كانت الكثرة في الروح ، وكان الروح ذاته مكتفيا بذاته لسبب حضور الواحد ، فإنّ ذلك الأصل إنّما هو الذي يحدث الذات والاكتفاء بالذات ، وما في الأمر شكّ . أمّا هو فليس بالذات ، بل إنّه فوق الذات وفوق الاكتفاء بالذات .
هل نكتفي بما ذكرنا ونستأذن بالانسحاب ؟ ألا ، إنّ / النّفس لا تزال في أوجاع الوضع ، لا بل قد اشتدّت الآن عليها هذه الأوجاع ؛ وربّما وجب عليها أن تضع الآن وقد وثبت نحو الواحد زاخرة بأوجاعها . ومع ذلك ، فقد يجب أن نعود نهدّئ من روعها ، لعلّنا نجد لأوجاعها نقها يسكّنها . بل ربّما تمّ لنا ذلك من أقوالنا السابقة ، إذا عدنا إلى إنشادها . وما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 455
مساهمون: أفلوطين
ص٤٥٥