دام هذا الشّيء يختلف عن الواحد ، فإنّه ليس واحدا . بل إنّ الواحد إنّما هو ذلك الأصل وحده .
إن لم يكن واحدا فهو اثنان ، وهو أيضا ذو كثرة لا محالة إذ إنّا نجد الآن خلافا وجمعا ثمّ كيفا أيضا وهلمّ جرّا . / هذا وحسبنا ذلك دليلا على أنّه يجب في ما ينبعث من الواحد الّا يكون واحدا . أمّا أن تكون كثرة ، وهي كثرة بحيث أنّها تشاهد في المتأخّر الواحد ، فهذا أمر يبدو الالتباس فيه . فلا بدّ من البحث في هذا المتأخّر أيضا ، أنّه يجب أن يكون لا محالة .
16 لقد قلنا في غير هذا المقام إنّه لا بدّ من شيء يكون متأخّرا عن الأوّل ، وأثبتنا بوجه عامّ أنّ هذا الأوّل قوّة ، وإنّما هو قوّة تتّسع إلى ما ليس له نهاية . كما أنّا أثبتنا ما يلي أيضا وهو أنّه يجب في الأمور الأخرى كلّها أن تتيقّن منها أنّها ليس فيها أمر واحد ، وحتّى بين أواخرها ، إلّا وهو قادر / على أن ينتج . على أنّه يجب أن نضيف إلى قولنا ما يلي أيضا . وهو أنّه ما دامت المحدثات لا يسعها أن تتوجّه علوا ، بل شأنها أن تمضي سفلا ، وبخاصّة أن تتوزّع في الكثرة ، فإنّ أصل الجزئيّات كلّها الذي يبقى كما هو عليه في ذاته ، إنّما هو أشدّ من هذه الجزئيّات بساطة . والذي أحدث هذا العالم الحسّيّ ليس هو عالما حسّيّا إذا ، بل إنّه روح وعالم روحانيّ .
كذلك القول في ما كان متقدّما على هذا العالم الأخير وأحدثه إذا : / فإنّه ليس روحا وليس عالما روحانيّا ، بل إنّه أشدّ بساطة من الروح وأشدّ بساطة من العالم الروحانيّ . إنّ ذا الكثرة لا يخرج من ذي الكثرة ، بل إنّ ذا الكثرة الذي يهمّنا هنا إنّما يأتي فيما هو ليس ذا كثرة . وإن كان ذلك الأصل ذا كثرة ، فلا يكون هو الأصل مطلقا ، بل يكون قبله أصل آخر . ولا بدّ بالتالي من أن نقلّص في الحقّ ما نقلّصه حتّى ننتهي إلى الأمر الذي هو واحد حقّا ، منزّه عن كلّ كثرة وعن كلّ بساطة جزئيّة ، ما دام يجب فيه أن يكون هذا البسيط حقّا . / ولكن كيف يكون ما ينشأ منه عقلا ذا كثرة وعقلا كلّيّا ، والظاهر الجليّ هو أنّه ليس عقلا هو في حدّ ذاته ؟ وإن لم يكن عقلا ، فكيف يخرج عقل ممّا ليس هو عقلا ؟ بل كيف يخرج من الخير المحض ما يكون في مثال الخير ؟ وما عسى أن يكون قد أصابه من الخير المحض حتّى يقال عنه إنّه في مثال الخير ؟ ألأنّه تيسّر له أن يكون كما هو عليه في ذاته وأن يبقى مثلما هو عليه في ذاته ؟ فما هي العلاقة بين هذه الحال / والخير المحض ؟ إنّ البقاء على الحالة الواحدة الذي نسعى وراءه إنّما هو بقاء الخيرات وثباتها . أو بالأحرى إنّا نسعى وراء الشّيء الذي يجب فيه أن نتخلّى عنه لأنّه الخير : أمّا إن لم يكن الخير ، فالأفضل أن ندعه . أفيكون الخير في حياة تبقى دائما على حالها ، وفي الثّبات مع ذلك الواحد طوعا ؟ إذا كانت الحياة مستحبّة لما ينبعث من الواحد ، فإنّه لن يسعى قطّ وراء شيء وما في الأمر شكّ . فيبدو بقاؤه على الحالة الواحدة قائما على / أنّه يكتفي بما يكون حاضرا ؛ بل إنّا نقول : إذا حضرت الأمور كلّها كانت الحياة بحضورها حياة مستحبّة ، وتكون
تاسوعات أفلوطين — صفحة 454
مساهمون: أفلوطين
ص٤٥٤