تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
فإذا تقيّدنا بالقياس جعلنا الفعل الذي يسيح منه ، إن جاز لنا القول ، / والحقائق الروحانيّة كلّها بمنزلة النور الذي يسيح من الشّمس . أمّا هو فيستوي في ذروة العالم الروحانيّ ناشرا عليه سلطانه . ثمّ إنّه لا يدفع الضّياء الذي ظهر منه - ( وإلّا جعلنا نورا آخرا متقدّما على نور ) - بل يشعّ وهو باق دائما فوق عالم الروح . هذا وإنّ الأمور التي تنبعث منه لا تنقطع عنه ، / كما أنّها ليست هي هو ، ولسنا بحيث أنّا ننفي عنها أنّها ذات ، وأنّها تبصر . بل إنّها ترى وتعلم ذاتها ، وإنّها العارف الأوّل . أمّا هو فما دام وراء الروح ، فإنّه فوق الإدراك أيضا . وكما أنّه لا يحتاج قطّ إلى شيء ، فإنّه لا يحتاج إلى الإدراك أيضا . بل إنّ الإدراك إنّما يكون في المقام الثاني . / فإنّما الإدراك إنّما هو واحد مع تقيّد ، أمّا هو فإنّه واحد بدون تقيّد . ولو كان واحدا مع تقيّد ، لما كان هو الواحد ذاتا . فإنّ الكون « ذاتا » قبل الكون مع « تقيّد » . 13 ولذلك فإنّه يفوق الوصف حقّا . مهما قلت ، عنيت شيئا ما . بل إنّ القول الحقّ بين كلّ ما يقال فيه هو « أنّه فوق الأشياء كلّها وفوق الروح الكريم » ، لأنّ هذا القول ليس اسما له . ولا غرو ، فإنّه ليس شيئا من الأشياء ، وليس له اسم ، لأنّه ليس كمثله شيء . لكنّا نحاول ، بقدر المستطاع / أن نستدلّ عليه . ألا قد نعترض قائلين : « ما دام أنّه لا يشعر بذاته ولا يتعقّب ذاته ، فإنّه لا يعلم ذاته ، أيضا » . عند ذاك يجب أن نذكر أنّا بهذا القول إنّما نتوجّه بانتباهنا إلى الرّأي المخالف . فإنّا نجعله ذا كثرة عندما نتصوّره أمرا معروفا ومعرفة ، / وإذا سلّمنا له بالعرفان ، افترضنا أنّه يجب فيه أن يعرف . ثمّ إنّه حتّى ولو كان مصطحبا بالعرفان ، فالعرفان لديه شيء لا نفع فيه . ذلك لأنّ الظاهر في العرفان إجمالا هو أن تتجمّع أمور كثيرة في موضع واحد فتدرك كلّا ، هذا إن كان العرفان بأن يعرف الشّيء ذاته ، وهو العرفان بتمام معناه حقّا . فإنّ الواحد الفرد هو هو في حدّ ذاته ولا طلاب له في شيء وآخر ؛ وإذا خرج / العرفان عن الذات كان ناقصا ولم يكن عرفانا حقّا . أمّا البسيط المطلق المكتفي بذاته حقّا ، فإنّه لا يحتاج إلى شيء . لكنّ المكتفي بذاته الذي هو من المقام الثاني ، فإنّه يحتاج إلى ذاته ، وهذا يعني أنّه يحتاج إلى عرفان ذاته . فيكون المحتاج إلى ذاته ، ما دام هو ذاته لذاته ، قد سوّى ، بما هو عليه كلّا ، المكتفي بذاته ، / فأصبح آنذاك مقتدرا بما أخذه من عناصره كلّها ، بذاته متّحدا ، وإلى ذاته ناظرا . ثمّ إنّ « الشّعور بالذات » إنّما هو إدراك شيء ذي كثرة ، كما تدلّ التّسمية عليه ؛ وكذلك العرفان الذي يتقدّم الشّعور بالذات : فإنّ الروح يعود في باطنه إلى ذاته ، وهذا يعني أنّه ذو كثرة . إذا قال فقط : « أنا الحقّ » ، قال ذلك كأنّه اكتشف أمرا ، وكان قوله صادقا ، إذ إنّ الحقّ إنّما هو ذو كثرة . / ثمّ إنّه إذا ألقى نظره على ذاته على أنّه شيء بسيط ، وقال : « أنا الحقّ » ، فلا يدرك ذاته ولا يدرك الحقّ . ذلك لأنّه ، إن كان صادقا في خبره ، لا يخبّر عن الحقّ كأنّه يخبّر عن حجر ، بل