12 وما هو المانع الذي يمنعه من أن يكون ذا كثرة بمعنى أنّه كذلك ما دام ذاتا واحدة ؟ فإنّ الكثرة فيه لا تكون بالتّركيب ، بل بما ينطوي عليه من تحقيقات . ولكن إن لم تكن تحقيقاته ذواتا ، بل ينتقل هو من القوّة إلى الفعل ، فإنّه ليس ذا كثرة ، بل إنّه ناقص ما لم يتحقّق هو مع ذاته . / إمّا إذا كانت ذاته تحقيقا قد تمّ وكان ، هو محقّقا ، ذا كثرة ، فإنّ ذاته إنّما تكون بقدر ما تكون الكثرة . وهذا أمر نعترف به للروح الذي سلّمنا فيه بأنّه يعرف ذاته ؛ أمّا أصل الأشياء كلّها فليس كذلك . يجب في الكثرة أن يتقدّم عليها ما يكون واحدا في حدّ ذاته ، ومنه تنبعث الكثرة المتتالية ، إنّما الواحد هو الأوّل : / أجل ، يقال ذلك في العدد ، إذ إنّ الأعداد قائمة على التّركيب . لكن عالم الحقّ ، ما هي الضّرورة التي تقتضي أن يكون فيه شيء واحد قائم في ذاته ، تنبعث عنه الأشياء الكثيرة ؟ ألا ، إنّ الأشياء الكثيرة إنّما يكون بعضها متنازعا مع بعضها الآخر آنذاك ، فيأتي شيء من جهة وآخر من أخرى ، ويدخلان في تركيب يتمّ بالاتّفاق والمصادفة . لكنّهم يقولون في التّحقيقات إنّها تنبعث من الروح الذي هو واحد وبسيط ، فيكونون بذلك قد جعلوا المتقدّم على التّحقيقات شيئا بسيطا . / ومن ثمّ فإنّهم يجعلون التّحقيقات أشياء باقية على الدّوام وقائمة في ذواتها أيضا . وما دامت هذه التّحقيقات أشياء قائمة في ذواتها ، فإنّها تختلف عن ذلك الأصل الذي منه تنبعث . أمّا هو فيبقى على بساطته ، ويكون ما ينبعث منه ذا كثرة لا يزال مرتبطا به . / فإذا استوت هذه التّحقيقات قائمة في ذواتها عندما يكون قد أخذ هو في التّحقيق منطلقا من نقطة ما ، كان هو ذا كثرة أيضا . أمّا إذا كانت هذه التّحقيقات هي الأولى ، فإنّها تشكّل أمور المقام الثاني . أمّا ذلك الأصل الأوّل ، الذي هو قبل هذه التّحقيقات ، وقائم في ذاته مع ذاته ، فإنّها تدعه باقيا على ذاته . على أن يكون قد أنزل في محلّها التّحقيقات التي تعود إلى المقام الثاني المؤلّف منها في كيانه . / فإنّ ذلك الأصل البسيط شي والتّحقيقات التي تنبعث منه شيء آخر ، لأنه ليس هو الذي يحقّق . وإلّا لما كان الروح هو الفعل الأوّل . فإنّ الأمر لم يجر كأنّ ذلك الأصل كان مدفوعا بالرّغبة في أن ينشأ الروح ، ثمّ نشأ الروح بعد ذلك ، فكانت الرّغبة هي المتوسّطة بينه وبين الروح الذي نشأ . حتّى وإنّه لا تدفعه قطّ رغبة ، إذ إنّه يصبح بذلك / ناقصا ، فضلا على أنّه ليس للرّغبة ما تدفع إليه . كما أنّه لا يقال إنّه حصل على شيء من شيء وفاته شيء من شيء آخر ، لأنّه ليس من حاجة لتجذبه بجاذب . بل إن الواقع الذي لا شكّ فيه ، هو أنّه قام شيء في ذاته بعد ذلك الأصل ، فعلى أن يبقى هو على طبعه مع قيام هذا الشّيء في ذاته . وحتّى يقوم شيء آخر في ذاته ، يجب في ذلك الأصل إذا أن يكون ثابتا ساكن / الذات من جميع الوجوه . وإلّا لتحرّك قبل أن تكون الحركة ولعرف قبل أن يكون العرفان ، وكان فعله الأوّل ناقصا ، ما دام هذا الفعل مجرّد رغبة . ولعمري ، ما عسى أن يكون غرض الرّغبة وقد أصابت ما كان لها غاية ؟
تاسوعات أفلوطين — صفحة 450
مساهمون: أفلوطين
ص٤٥٠