تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
فليس لما يكون واحدا من الوجوه كلّها شيء يركّز عليه عمله ، بل إنّه يبقى وحده ، منفردا ، فيقف ساكنا . ذلك لأنّ الشّيء الذي يعمل إنّما يقابله دائما شيء آخر . فإن لم يكن الشّيء الآخر ، ثمّ شيء غيره ، فما عسى الفاعل أن يفعل ؟ أو إلى أين ينطلق ؟ يجب في الفاعل إذا إما أن يركّز فعله على غيره ، / أو أن يكون هو ذا كثرة إن كان شأنه أن يبقى فعله منحصرا في ذاته . فإذا لم يكن الشّيء ينطلق من ذاته إلى غيره ، سكن وتوقّف ؛ وإذا وقع عرفانه على شيء ساكن كلّه ، فإنّه لا يعرف آنذاك . يجب في العارف إذا ، إذا عرف ، أن يكون قائما في الاثنينيّة : فإمّا أن يكون أحد الطّرفين في الخارج ، أو أن يكون الطّرفان معا في العارف ذاته . ثمّ إنّ العرفان إنّما يتمّ في الجمع والخلاف لا محالة ، / فضلا على أن تكون الأمور المعروفة في علاقتها مع الروح العارف هي ذاتها وهي غيرها في آن واحد . ونقول أيضا : إنّ كلّ أمر معروف إنّما يحمل بدوره في جنباته جمعا وخلافا . ولعمري ، ما عسى أن يعرف العارف إلّا ما يكون منطويا على شيء مع شيء آخر يختلف عنه ؟ وإن كان كلّ أمر بنية معنويّة في حدّ ذاته ، فإنّ البنى المعنويّة كثيرة . إنّ العارف يدرك ذاته لأنّه عين مختلفة العناصر أو أنّها من ألوان مختلفة . فإذا وقع بصره على شيء واحد غير مجزّأ ، / كان هو فارغا من كلّ نطق ومعنى : فما عسى أن يكون لديه ليخبر به عن ذلك الشّيء ؟ أو ما عساه أن يفهم منه ؟ وإن وجب في ما هو ليس مجزّأ على وجه الإطلاق أن يخبر هو عن ذاته ، وجب فيه أوّلا أن يخبر عمّا ليس هو في ذاته . فيكون بذلك ذا كثرة حتّى يكون واحدا . ثمّ إنّه إن قال : « إنّا هذا الشّيء » ، أصبحنا بين أمرين : إمّا أنّ هذا الشّيء يدلّ على شيء آخر يختلف عن القائل ، / فيكون القائل كذوبا ؛ وإمّا أنّه يدلّ على طارئ عرض للقائل ، فيكون القائل مخبرا عن أشياء كثيرة في ذاته ، أو عائبا بما قاله إني « أنا أنا » أو إنّي « أكون أكون » ؛ وما عسى أن يكون الأمر فيما لو كان هو شيئين اثنين فقط ، ثمّ قال : « إنّي أنا وهذا الشّيء » ؟ ، ألا ، فإنّا نكون أمام كثرة لا محالة ، إذ إنّه بقوله يدلّ على أشياء مختلفة ، وعلى وجه الاختلاف ، وعلى عدد ، وهلمّ جرّا . يجب في العارف أن يدرك الشّيء مختلفا بعضه عن بعضه الآخر إذا ، وفي المعروف ، / ما دام واقعا في إدراك العارف ، أن يكون مختلف العناصر . أو أنّه لن يناله عرفان ، بل تماسّ ، وشيء كأنّه ملامسة فقط ، وهي ملامسة لا تحصر بوصف أو معرفة ، تمّت قبل الإدراك بالعرفان ولمّا ينشأ الروح أو يعرف الشيء الملامس . ولكنّه يجب في العارف أيضا الّا يبقى هو ذاته فردا بسيطا ، لا سيّما وأنّه يعرف ذاته : فإنّه يتضاعف آنذاك ، / حتّى ولو كان يعلن بالصمت عن فهمه . ثمّ إنّ هذا البسيط الفرد يحتاج إلى أن يكون كمن يشتغل ذاته بذاته : وما عساه أن يعلم بعرفانه ؟ فإنّه حاضر مع ذاته ولذاته على ما هو في ذاته قبل كلّ عرفان . فضلا على أنّ المعرفة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 448 | أفلوطين