إبصار موجّه إلى ما هو في خلاف العالم الحسّيّ . / وبعد ، فإنّ ما تلقّته النّفس آنذاك إنّما هو حياة نورانيّة ، وهذه الحياة هي أثر لحياة الروح . فإنّ الحقّ إنّما يكون في عالم الروح .
أمّا الحياة ، وما يتحقّق في الروح فعلا ، فإنّه النور الأوّل . هو نور يشعّ لذاته أصلا وإشعاعه متّجه إلى ذاته ، نور ينبعث من نور وينساب في نور وذلك في آن واحد . هذا هو الروحانيّ الحقّ : إنّه العارف والمعروف ؛ / يشاهد ذاته ولا يحتاج إلى غيره ليشاهد . ثمّ إنّ له من ذاته ما يكفيه للمشاهدة ، إذ إنّ ما يشاهده إنّما هو ذاته . أمّا نحن فإنّا ندركه به هو ذاته ، بمعنى أنّ معرفتنا له إنّما تتمّ بوساطته . وإلّا ، فأنّى لنا أن ننبئ عنه ؟ إنّه بحيث يكون إدراكه لذاته الإدراك الأوضح . / أمّا نحن فإنّا ندرك بساطته . ترتقي نفسنا إليه لاجئة إلى أدلّتها وهي ترى ذاتها آنذاك على أنّها صورة له ، بمعنى أنّ حياتها ارتساما له وهي شيء يشبهه . فإذا عرفت النّفس أصبحت مثل اللّه ومثل الروح . وإذا سألها سائل ما عسى أن يكون / هذا الروح الكامل الكلّيّ الذي يدرك ذاته أصلا ، برزت النّفس بذاتها . فتبدو آنذاك ، وقد حلّت في الروح أو أفسحت له المجال كي يتحقّق فيها ، وهي حافلة بما كانت منطوية على ذكراه فيها . فيسعنا بعد ذلك أن نشاهد الروح من وجه ما ، من حيث كون النّفس صورة له ، بوساطة الشّبه القائم بينه وبينها . /
وهو شبه ينتهي إلى الحدّ الأقرب الذي تستطيع النّفس أن تصل إليه في التّماثل مع الروح بذلك الجانب من جوانبها .
9 الظاهر إذا هو أنه ينبغي لمن يريد أن يعلم الروح ما هو ، أن يشاهد النّفس أو بالأحرى أن يشاهد من النّفس جانبها الأقرب إلى عالم الآلهة . ولعلّ ذلك يتمّ بما يلي ، أعني إن عمدت أوّلا إلى البدن ونزعته عن الإنسان وهو أنت لا محالة . ثمّ يجب أن تنزع عنك البدن في جبلته ، وأن تسعى جادّا إلى عزل الإحساس والشّهوة / والغضب وما سواها من التّوافه التي تميل بنا ميلا شديدا إلى الأشياء الفانية . فإنّ ما يبقى من النّفس بعد ذلك إنّما هو ذلك الذي قلنا فيه إنّه صورة الروح ؛ وهو الذي يكون منها محتفظا بشيء من نور الروح . فالنّفس آنذاك بمنزلة النور الواقع في جوار الكرة التي تتّسع لحجم النّفس ، وهو نور يشعّ من الشّمس محيطا بها من حولها . أمّا الشّمس ، فلا يذهب أحد إلى أنّ نورها / المحيط بها من حولها شيء قائم في ذاته ، في حين أنّه منها ينتشر وحولها يستقرّ : نور ينبعث دائما من نور آخر متقدّم عليه ، وهكذا دواليك حتّى ينتهي إلينا على الأرض . بل إنّ النور كلّه الذي يحيط بالشّمس من حولها إنّما ينزل في غيره ، حتّى لا يجعل ما بعد الشّمس فضاء فارغا من كلّ جسم . أمّا النّفس المنبعثة من الروح ، / فإنّها ، من وجه ما ، نور يحيط به من حوله ، وهي لا تزال مرتبطة به وليست في غيرها ؛ بل إنّها تبقى من حوله وليس لها مكان ، لأنّه ليس للروح مكان أيضا . وبعد ، فإنّ نور الشّمس إنّما هو منساب في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 446
مساهمون: أفلوطين
ص٤٤٦