تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
8 هذا وما عسى أن يكون نوع ذلك الأمر الروحانيّ الذي يراه الروح ، وكيف يكون الروح الذي يعرف ذاته ؟ ألا ، أمّا الأمر الروحانيّ ، فيجب فيه الّا يبحث عنه كما يبحث عن اللّون أو الشّكل في الأجساد . فقبل أن يكون اللّون والشّكل كانت الروحانيّات . ثمّ إنّ البنية المعنويّة الكامنة في البذور التي تحدث اللّون والشّكل ليست اللّون والشّكل هي أيضا . إنّ هذه الأمور كلّها إنّما هي غير منظورة في جبلتها ؛ وخليق بالروحانيّات أن تكون غير مبصرات هي أيضا . / فإنّ طبيعتها إنّما هي طبيعة الأشياء التي تنطوي عليها ، كما هو الأمر في البنية المعنويّة الكامنة في البذر ، وفي النّفس التي تشمل كلّ ذلك معا . لكنّ النّفس لا ترى ما تنطوي عليه ، لأنّها لم تنتج ما تنطوي عليه ، وهي في حدّ ذاتها أثر ، مثل البنى المعنويّة . أمّا الأمر الذي منه جاءت ، فإنّما هو الأمر البيّن ، الحقّ ، والموجود أصلا . ويكون هذا الأمر / لذاته وبذاته . أمّا الأثر ، فلا ثبات له إلّا إن كان أثر شيء يختلف عنه وفي شيء هو غيره . فإنّ شأن الأثر ، ما دام أثرا لغيره ، هو أن يكون في غيره إلّا إذا كان لا يزال مرتبطا بالروح . ولذلك فإنّه لا يشاهد ، إذ إنّه لم يتوافر له من النور قدر الكفاية . ثمّ إنّه حتّى ولو كان يشاهد ، فلا يشاهد ذاته ، بل يشاهد شيئا آخر أدرك كماله في غيره . / لكنّنا لا نجد شيئا من ذلك كلّه في الملأ الأعلى ؛ بل إنّ النّفس هنالك ترى الرّؤيا والمرئيّ معا . فإنّ المرئيّ إنّما هو بحيث يكون الرّؤيا ، والرّؤيا بحيث تكون المرئيّ . ومن عسى أن يخبرنا عن هذا المرئيّ كيف يكون ؟ نجيب : ذلك الذي يساعده ؛ والذي يشاهده إنّما هو الروح . فإنّه ، حتّى في هذا العالم ، يصحّ على الإبصار ، ما دام نورا أو بالأحرى ما دام متّحدا بالنور ، أن يقال فيه إنّه يبصر النور إذ إنّه يبصر الألوان . / أمّا في عالم الروح ، فإنّ الإبصار لا يتمّ بوساطة شيء يختلف عنه ، بل بالإبصار ذاته ، لأنّه ليس إبصارا يقع في الخارج . والإبصار آنذاك إنّما يبصر نورا بنور ، ولا يكون بوساطة شيء يختلف عن النور . فنور يشاهد نورا ، والشيء يشاهد ذاته . لقد أشعّ النور في النّفس ، فانتشر فيها إذا . وهذا يعني أنّه جعلها نورانيّة . وهذا يعني أيضا أنّه جعلها شبيهة به هو ذاته ، النور الثابت في عالم الروح . / فخذ الآن هذا الأثر الذي وقع في النّفس من النور ، وتصوّر على شاكلته نورا يفوقه حسنا وجلالا ومهابة وإشراقا . عند ذاك تكون قد اقتربت من الروح ومن الأمر الروحانيّ في حقيقتهما . ثمّ إنّ هذا الأمر الروحانيّ قد أشعّ بنورانيّة فأمدّ النّفس بحياة أشدّ نورانيّة ، ولكنّها حياة غير الحياة المولدة . بل قد حوّل / النّفس إلى خلاف ما كانت عليه وردّها إلى ذاتها ، فلم يدعها تمضي شتيتا ، بل جعلها تبتهج بالإشراق الثابت في الروح . كما أنّ هذه الحياة ليست الحياة الحسّيّة ، إذ إنّ الحياة الحسّيّة متوجّهة إلى الخارج ولا تدرك بالإحساس ما هو الاسمي . أمّا الذي يتلقّى ذلك النور ، نور الحقائق ، فإنّ إبصاره للمبصرات يقوى ويشتدّ ، ولكنّه