هو الروح ذاته ، ومن حيث كان المعروف هو الروح ذاته أيضا ، أعني ذلك المعروف الذي يعرفه الروح بالعرفان الذي كان هو الروح ذاته .
6 لقد دلّ سياق الكلام على أنّ ثمّة شيئا يعرف ذاته بالمعنى الحقيقي إذا . أمّا في النّفس فإنّه يعرف ذاته بمعنى آخر ، وأمّا في الروح فإنّ عرفانه لذاته أقرب إلى حقيقة العرفان . فإنّ النّفس إنما تعرف ذاتها على أنّها من غيرها ؛ أمّا الروح فإنّه يعرف ذاته على أنّه هو ذاته ، وكما هو في ذاته ، وبما هو في ذاته ، فيخرج من ذاته في حقيقتها عائدا إلى ذاته في حقيقتها . / إذا شاهد الحقائق شاهد ذاته وكان مشاهدا بفعل ، على أنّ هذا الفعل هو الروح ذاته . فإنّ الروح والعرفان شيء واحد ، وهو يعرف ذاته كلّا بكلّ ، لا جزءا بجزء آخر . وبعد ، فهل يبدو مقنعا ما نمّ عنه كلامنا ؟
ألا ، إنّ ما نتج عنه وهو كذلك ، إنّما هو الضّرورة ، ولكنّه ليس فيه إقناع ؛ فإنّما الضّرورة تكون في الروح ؛ أمّا الإقناع فالنّفس محلّه . / والظاهر هو أنّا نسعى إلى الاقتناع بأشدّ ممّا نسعى إلى مشاهدة الحقّ بالروح محضا خالصا . فلقد كنّا ، ما دمنا في الملأ الأعلى ، ملأ الروح ، نجد الكفاية بما ذكرنا ، وكنّا نعرف بالروح ونردّ الأشياء كلّها إلى شيء واحد ، ونشاهد ، ذلك لأنّ الروح كان هو العارف وهو الذي يخبر عن ذاته . أمّا النّفس فكانت مخلدة إلى الاطمئنان توسّع لعمل الروح المجال . / لكنّنا ، عندما أصبحنا هنا وعدنا إلى عالم النّفس ، أخذنا نبحث عن اقتناع نوفّره لنا ، كأنّا نحاول أن نتبيّن الأصل في صورته . فلعلّه يجب في نفسنا أن تلقّن كيف عسى الروح أن يشاهد ذاته . أو لعلّه يجب هذا على الأقلّ في ذلك الأصل من النّفس الذي هو روحانيّ من وجه ما ، والذي نفترضه الأصل المفكّر ، / دالّين بهذه التّسمية على أنّه روح ما ، أو على أنّه يستمدّ قوّته بوساطة الروح ومن لدنه أيضا . فيليق بهذا الأصل المفكّر أن يعرف بالروح أنّه بوساطة الروح يدرك ما يراه ويعلم ما يحكم فيه . ولو كان هو الأشياء التي يحكم فيها لأصبح بذلك يعرف ذاته هو ذاته . ولكن ما دامت هذه الأشياء حقائق ، أو بالأحرى ما دامت تأتيه من الملأ الأعلى الذي خرج منه هو ذاته ، / فإنّه يحدث له ، عن الوجه ذاته ، أن يعرف ذاته بسبب كونه عقلا . فيدرك ما يجانسه ، متوافقا مع ما ينطوي عليه من آثار العالم الروحانيّ . ولينتقل الآن هذا « الأصل المفكّر » وليرتق بهذه الصورة إلى الروح الحقّ الذي وصفناه بأنّه شيء واحد مع الأمور التي يعرفها ، وهي الأمور حقّا الموجودة حقّا متقدّمة على غيرها : فإنّ الروح لا يسعه وهو كذلك / أن يكون خارجا عن ذاته . فما دام الروح في ذاته مع ذاته ، وكان هو ما يكون عليه في ذاته ، أعني روحا - وما كان روح قطّ إلّا ليكون روحا - لم يكن بدّ من أن تلازمه معرفته لذاته .
وإنّه لفي ذاته مثلما لا يسعه أن يخرج من ذاته ، وليس العمل والذات له إلّا بكونه روحا فقط . فإنّه ليس عقلا عمليّا هذا الروح . / وأعني بذلك أنّ بعض المعرفة لما في الخارج تتيسّر للعقل العمليّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 443
مساهمون: أفلوطين
ص٤٤٣