الذي ينظر إلى الخارج ولا يبقى في ذاته . ولكن ليس من الضّرورة أن يكون شأن هذا العقل ، ما دام عقلا عمليّا كلّه ، أن يعرف ذاته . أمّا الذي لا يكون العمل لازما له ( وليس لدى الروح الصافي شوق قطّ لشيء يكون قد فاته ) ، فإنّه يعود إلى ذاته لا محالة . وهذه العودة إلى الذات تدلّ على أنّ معرفة الذات آنئذ ليس أمرا محتملا فقط ، / بل إنّها أمر ضروريّ أيضا . ولعمري ، ما عسى أن تكون الحياة لما هو مستغن عن العمل مقيم في الروح ؟
7 هذا وقد نقول : لكنّ الروح يشاهد اللّه . فنجيب : إنّ من يسلّم للروح بأنّه يعرف اللّه ، اضطرّه ذلك إلى أن يسلّم لهذا الروح بأنّه يعرف ذاته أيضا . فإنّه يدرك آنذاك ما وصله من اللّه ، ويدرك عطايا اللّه وقواه . فإذا علم الروح بذلك وعرفه ، عرف به ذاته . / ذلك لأنّ الروح إحدى عطايا اللّه ، بل إنّه عطايا اللّه جميعها . إن عرف الروح اللّه إذا وأدرك قواه ، عرف ذاته أيضا على أنّه من اللّه نشأ ومنه يستمدّ قواه . أمّا إن عجز عن أن يرى اللّه بجلاء ، وما دامت الرّؤيا ربّما كانت هي المرئيّ بالذات ، / فإنّه على قدر ذلك ناقص من حيث مشاهدته لذاته وعلمه بها ، إذا كانت الرّؤيا تعني أنّها هي المرئيّ بالذات . وبعد ، ما عسانا أن نسلّم له به غير ذلك ؟ نسلّم له بالسّكون . ولكنّ السّكون للروح ليس خروج الروح من ذاته ؛ بل إنّ سكون الروح إنّما هو تحقيقه فعلا ، وهو سكون يؤدّي إلى أن يكون منزّها عن كلّ ما سواه . / وكذلك الأمور الأخرى أن تسكن بخلوّها ما عداها ، لم يبق لها إلّا أن تحقّق فعلا بما هي عليه ، ولا سيّما ما لم يكن منها بالقوّة بل كان بالفعل . إنّ كيان الروح إنّما هو تحقيقه فعلا إذا ، وليس فعله فعلا موجّها إلى شيء آخر . بل إنّه يبقى هو في ذاته مع ذاته . فإذا عرف ذاته حقّق بذلك فعله في ذاته ومع ذاته . ذلك لأنّه إن خرج من الروح شيء ، / فيكون الروح يفعل لذاته في ذاته . يجب في الروح أن يكون لذاته أولا ، ثمّ يتّجه إلى غيره بعد ذلك ، أو يخرج غيره منه ويكون به شبيها . مثل ذلك مثل النار : إنّها نار أوّلا ، وقوّة النار كامنة فيها ، فتستطيع ، بعد ذلك ، أن تحدث أثرها في غيرها . /
نعود ونقول إنّ الرّوح إنّما هو فعل في ذاته . أمّا النّفس ، فإنّ ما يكون منها متّجها نحو الروح إنّما يكون متّجها نحو باطنها إن جاز لنا القول . أمّا ما كان منها خارج الروح ، فهو متّجه إلى الخارج . فإنّها ، من ناحية ، تشبه ما خرجت منه ، وتختلف عنه من ناحية أخرى ؛ مع أنّها تشبهه من هذه الناحية أيضا ، سواء إن فعلت فعلا أو أحدثت شيئا . ذلك لأنّها تشاهد حتّى عندما تعمل ؛ / وإذا أحدثت شيئا ، فإنّها تحدث مثلا هي وجوه من العرفان متوافق بعضها مع بعضها الآخر . وهكذا أصبحت الأشياء كلّها آثارا للعرفان وللروح ، وهي تحدث قياسا على أصلها الأوّل . فيكون الأقرب منها أشدّ تشبّها به ، في حين أنّ ما يكون منها بعيدا عنه يحتفظ منه بصورة غامضة . /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 444
مساهمون: أفلوطين
ص٤٤٤