ذاته بكاملها ولا كلّا . فأن يرى إنّما هو شيء مشاهد ، وليس يرى شيئا مشاهدا : فيكون بذلك قد شاهد غيره ، ولم يشاهد ذاته ؛ / أو أنّه يضيف من ذاته ذلك الذي يكون قد شاهد حتّى يصبح بذلك قد عرف ذاته بكاملها ؛ ولكنّه إن عرف ذاته وقد كان يشاهد ، فإنّه يعرف في الآن ذاته نفسه والأمور التي يشاهدها . إن كانت المشاهدات حاضرة في المشاهدة إذا ، فنحن بين أمرين : فإمّا إنّ انطباعات المشاهدات هي التي تكون حاضرة ، فلا يكون الروح حاصلا على المشاهدات ذاتها ؛ وإمّا إنّ الروح يكون حاصلا على المشاهدات ، فلا يشاهدها آنذاك من حيث أنّه تجزّأ في ذاته ، / بل يشاهدها بين يديه قبل أن يحصل هذا التّقسيم . فإذا كان ذلك وجب في المشاهدة أن تكون هي والمشاهد شيئا واحدا ، ووجب في العارف أن يكون هو والمعروف شيئا واحدا أيضا .
ذلك بأنّهما لو لم يكونا شيئا واحدا ، لما كانت ثمّة حقيقة قطّ ، إذ إنّ ما شأنه أن يدرك الحقّ آنذاك قد أدرك انطباعا يختلف عن الحقّ ، وليس الانطباع وهو الحقيقة بالذات . يجب في الحقيقة الّا تكون حقيقة شيء يختلف عنها ، / بل يجب في ما تخبر عنه أن يكون هو هو بالذات . فلقد تبيّن بذلك أنّ الروح والأمر الروحانيّ والحقّ شيء واحد ، . وأنّ ذلك هو الحقّ الأوّل . كما أنّه اتّضح أنّ الروح الأوّل هو الذي ينطوي على الحقّ كلّه ، أو بالأحرى أنّه هو والحقّ كلّه شيء واحد .
ولكن إن كان العرفان والمعروف شيئا واحدا ، فكيف يؤدّي هذا إلى أن يعرف العارف ذاته ؟ أجل ، قد يكون العرفان شيئا كأنّه يحيط / بالمعروف أو أنّه يكون هو والمعروف شيئا واحدا ، ولكنّ عرفان الروح لذاته لا يزال أمرا غامضا . بل لو كان العرفان هو المعروف ( فإنّ المعروف هو فعل وليس بقوّة ، وإلّا لما كان معروفا . ثمّ إنّه ليس عديم الحياة ، كما أنّ العرفان والحياة لم يضافا إليه إضافتهما إلى شيء يختلف عنهما ، كأنّهما يضافان إلى حجر أو جماد ) ، لكان المعروف هو الذات الأولى . / إن كان العرفان فعلا إذا ، فإنّ العرفان إنّما هو الفعل الأوّل الذي يفوق كلّ الأفعال حسنا ورونقا ، وهو عرفان قائم بذاته كما أنّه الأحرى بأن يكون عرفانا حقّا . والعرفان الذي يكون من هذا الطّراز ، والذي هو العرفان الأوّل أصلا ، إنّما هو الروح الأوّل . ذلك لأنّ هذا الروح لا يكون بالقوّة ، ولا يكون هو شيئا وعرفانه شيئا آخر ، لأنّ قيامه في ذاته يكون عند ذاك ، كما قلنا ، / شيئا بالقوّة . إن كان هذا العرفان فعلا حقّا ، وكانت ذاته فعلا حقّا أيضا ، كان هو وفعله محقّقا شيئا واحدا . ثمّ كان الحقّ والمعروف مع هذا الفعل شيئا واحدا أيضا . وكان أخيرا كلّ ذلك معا شيئا واحدا : الروح والعرفان والمعروف . وبعد ، لو كان عرفان الروح هو المعروف ، وكان المعروف هو الروح ذاته ، لبات الروح يعرف ذاته لا محالة . فإنّ الروح يعرف بالعرفان ، وكان العرفان هو الروح ذاته ؛ ويعرف الروح المعروف ، وكان المعروف هو الروح ذاته . / إنّ الروح يعرف ذاته من الطّرفين إذا ، ومن حيث كان العرفان
تاسوعات أفلوطين — صفحة 442
مساهمون: أفلوطين
ص٤٤٢