ونحسّ بحضوره . / وعند ذاك نعرف ذواتنا لأنّا بمشاهدتنا لهذا الأمر العظيم نعلم الأشياء الأخرى كلّها بهذا الأمر العظيم ذاته : فإمّا أن نعلم القوّة التي تعرفه ، وذلك بتلك القوّة ذاتها ؛ أو أنّا نصبح ذلك الأمر العظيم ذاته . وعليه ، فإنّ العارف لذاته هو عارفان : العارف الذي يعرف / الفكر النّفسانيّ في حقيقة ذاته ؛ والعارف الذي يتجاوز إلى ما فوق هذا الفكر ، فيعرف ذاته من حيث أنّه أصبح هو ذاته ذلك الروح بالذات . ولدى هذا العارف الأخير ، لا يعود العرفان للذات ، بعد ذلك ، مثل عرفان الإنسان ذاته . بل إنّه يصبح شيئا آخر من كلّ وجه ، فينجذب إلى الملأ الأعلى ساحبا وراءه خير ما في النّفس فقط . وهذا الجانب منها إنّما هو الجانب الذي يقوى وحده أن يطير طيرانا إلى العرفان ، بحيث يتيسّر لمن يحلّ هنالك ، أن يستبقي لديه ما شاهده ، محتفظا به . ولعمري ، ألا يدري الفكر أنّه في الواقع فكر وأنّه يدرك معنى الأمور الخارجة عنه ، / وأنّه إذا حكم على شيء ، فبرجوعه إلى أحكام كامنة فيه ، يستمدّها من الروح ؟ وبالتالي ، فلا يدري أنّ ثمّة حقيقة هي أفضل منه ، لا يحتاج أن يبحث عنها إذ إنّها حاضرة لديه دائما ، وما في الأمر شكّ ؟ وهل هذه الحقيقة شيء ليس للفكر علم بها ، وهو يعرف من أيّ نوع هي ، ومن أيّ نوع تكون أعمالها ؟ فإنّ الفكر هو الذي يفصح عن أنّه من الروح وعن أنّه الثاني بعد الروح وصورة للروح . / وهو ينطوي على الأشياء كلّها كأنّها مدوّنة فيه مثلما يدوّنها ودوّنها من هو قائم في الملأ الأعلى . وإن كان ذلك كذلك ، أيقف الفكر عند هذا الحدّ وهو يعرف ذاته هكذا ؟ أفنلجأ إلى قوّة أخرى لنشاهد الروح الذي يعرف ذاته ، أو ندركه إدراكا مباشرا ما دام هو روحنا وما دمنا نحن منه فنعرفه ونعرف ذاتنا معه ؟ / ألا ، إنّ الأمر كذلك يكون لا محالة ، ما دام شأننا أن نعرف ما عسى أن يكون في الروح « عرفان الذات للذات » . فإنّه أصبح روحا ذلك الإنسان ، وقد تخلّى عمّا سوى ذاته ليشاهد الروح بالروح ، أو بالأحرى ليشاهد ذاته بذاته . أجل ، لقد يشاهد ذاته من حيث أنّه روح .
5 هل يعني ذلك أنّه يرى بجزء منه جزءا آخر من أجزائه ؟ ولكن إن كان ذلك كذلك كان فيه شيء يرى وشيء آخر يرى ، وليس هذا عرفانا للذات بالذات . فإن قيل : ولم لا ، ما دام الكلّ بحيث بتجانس بعضه مع بعض ، فلا فرق بين راء ومرئيّ ؟ وإن ير الروح جزء وأنّه معه لشيء واحد ير ذاته ، / فلا فرق آنذاك بين ناظر ومنظور . قلنا : أوّلا إنّ هذا التّقسيم في الروح ذاته ليس شيئا معقولا . فكيف يتقسّم ؟ فإنّ هذا التّقسيم لا يتمّ بالمصادفة . ثمّ من يكون المقسّم ؟ أيكون الجزء الذي جعل ذاته في حال المشاهد أو الذي جعل ذاته في حال المشاهد ؟ ثم كيف يعرف المشاهد ذاته في المشاهد / وهو قد جعل ذاته في حال المشاهد ؟ فإنّ المشاهدة لم تكن في المشاهد . أو إنّه أدرك ذاته وهو كذلك ، عرف ذاته مشاهدا لا مشاهدا . ويعني ذلك أنّه لا يدرك
تاسوعات أفلوطين — صفحة 441
مساهمون: أفلوطين
ص٤٤١