الظاهر من النّفس ، فيتلقّى الآثار التي تنبعث من الروح . ولما ذا لا نقول فيه إنّه هو الروح ، فتكون النّفس ما هو سواء فيها ، ابتداء من قوّة الإحساس ؟ ألا ، لأنّ النّفس يجب فيها أن تكون حيث يكون التّفكير ، وكلّ ما ذكرناه إنّما هو أعمال القوّة المفكّرة . ولعمري ، لما ذا لا نسلّم للفكر / بعرفانه لذاته ، ونكون بذلك من أمرنا في كفاية ؟ ألا ، لأنّا سلّمنا له بالنظر في الأمور الخارجة عنه وبتوزّع اهتمامه واشتغاله . أمّا الروح فإنّا نذهب إلى أنّ الأمور التي ينفرد بها إنّما هي حاضرة معه وأنّه ينظر في ما لديه فقط . هذا وقد يقول قائل : « ما هو المانع الذي يمنع الفكر عن أن ينظر إلى الأمور التي تخصّه بقوّة أخرى من قواه ؟ وإذا فعل ، فإنّه لا يبحث عن الفكر ولا عن العقل الاستدلالي ، / بل إنّه يدرك الروح الطاهر آنئذ . فما هو المانع الذي يمنع الروح الطائر عن أين يكون في النّفس ؟ نقول إنّه لا يمنع من ذلك مانع . ولكن هل يجب أن نضيف بعد ذلك أنّه من لوازم النّفس ؟ كلّا ! لا نقول فيه إنّه من لوازم نفسنا . ومع ذلك ، فإنّا نقول فيه إنّه روحنا : أجل إنّه شيء يختلف عن الفكر ، وهو فوق الفكر ، ومع ذلك فإنّه روحنا ، / حتّى ولو لم نحسبه بين أجزاء النّفس . أو إن شئنا فلنقل إنّه روحنا وهو ليس روحنا أيضا : فإنّا نلجأ إليه تارة ولا نلجأ إليه طورا ؛ أمّا التّفكير فإنّا نستعمله دائما . فإذا لجأنا إليه كان روحنا ، وإن لم نلجأ إليه لم يكن روحنا . وما ذا يعني هذا اللّجوء ؟ هل يعني أنّا نصبح نحن الروح ، وأن كلامنا / يصبح بمثابة كلام الروح ؟ ألا ، بل إنّه يعني أنّ كلّ ذلك إنّما يكون منسجما مع الروح . ذلك لأنّا نحن لسنا الروح ؛ ولكنّا ننسجم مع الروح بفكرنا ، وهو أوّل ما يتلقّى الروح منّا . فإنّا نحسّ بوساطة الإحساس ، وإنّما نحن الذين نحسّ . هل يصحّ القول ذاته علينا إذ نفكّر وإذ ندرك بوساطة الروح ؟ ألا ، إنّا نحن الذين نفكّر ونحن الذين نعرف بالروح ما ينطوي الفكر عليه من روحانيّات . وكلّ ذلك إنّما هو نحن بالذات . / أمّا أعمال الروح فإنّها تأتي من فوق ، كما أنّ معطيات الإحساس تأتي من تحت . أمّا ما نحن عليه في ذواتنا ، فهو الجانب الراجح من النّفس ، الذي يستوي بين القوّتين ، السّفلى والعليا : فالقوّة السّفلى هي قوّة الإحساس ، والقوّة العليا هي قوّة الروح . لكنّه يبدو في الإحساس أنّ كونه إحساسنا إنّما هو أمر مسلّم به ، إذ إنّا نحسّ دائما . / أمّا الروح ، فإنّ في أمره التباسا ، لأنّا لا نلجأ إليه دائما ولأنّه منزّه مفارق . وهو مفارق بمعنى أنّه ليس هو الذي يميل إلينا ، بل نحن الذين نوجّه وجهنا إليه في الملأ الأعلى . فالإحساس بين يدينا إنّما هو خادم مستمرّ ؛ أمّا بالنّسبة إلينا فهو الروح .
4 ولقد نصبح ملوكا نحن أيضا ، عندما ننسجم مع الروح . وأن ننسجم معه من وجهين :
وجه أوّل وهو أن يتمّ هذا الانسجام بما يكون فينا بمنزلة حروف كأنّها أحكام مدوّنة على صفحات صدورنا . ووجه ثان وهو أن نمسي كالحافلين بالروح ، بل قادرون على أن نراه
تاسوعات أفلوطين — صفحة 440
مساهمون: أفلوطين
ص٤٤٠