أن يقرأها ، ثمّ قال مبتسما : « عليك الآن ، يا أمليوس بحلّ الصّعوبات الّتي اعترضته لأنّه يجهل ما نذهب إليه » . فكتب أمليوس مقالة غير قصيرة ردّا على اعتراضات فرفوريوس / . فأجبته بدوري على ما كتب ، ثمّ ردّ أمليوس على ردّي . ومنذ ذلك الرّدّ الثّالث فهمت ، أنا فرفوريوس ، بجهد أقوال أفلوطين ، فعدلت عن موقفي منه ، وألّفت في ذلك مقالة قرأتها في إحدى حلقاتنا . ومنذ ذلك الحين اطمأنت نفسي إلى « 51 » مؤلّفات أفلوطين / . ثمّ أخذت أدفع أستاذي إلى أن يطمح في تنظيم آرائه والزّيادة على ما كان قد كتب فيها . بل أثرت « 52 » أيضا عند أمليوس الرّغبة في التّأليف . 19 أمّا الرّأي الّذي كان لنجينوس قد حصّله لنفسه في أفلوطين ( بخاصّة ممّا كنت قد أطلعته عليه أنا بذاتي في كتاباتي إلى الرّجل ) فقد يدلّ عليه جزء من رسالة وردتني منه ، وهو ينتهي بما يلي . ( مع العلم بأنّه يطلب إليّ في تلك الرّسالة أن أغادر صقلّية وأوافيه إلى فينيقيا مصطحبا بمؤلّفات أفلوطين ) . / كان إذا يقول « 53 » : ابعث إليّ بتلك الكتب عندما يحلو الأمر لك أو
تاسوعات أفلوطين — صفحة 31
مساهمون: أفلوطين
ص٣١
هامش
( 51 ) لقد اخترنا هنا اللفظة العربيّة عمدا إذ رأيناها تؤدّي بالذّات ما يقصده فرفوريوس باللفظة اليونانيّة الّتي استخدمها . قارن مع برهييه ( چ 1 : 20 ) . لقد أصبح فرفوريوس ، منذ ذلك الحين ، من « خواصّ » أفلوطين : إليه تدفع كتابات الأستاذ وهو « يؤمّن » عليها ليعيد النّظر فيها لأنّه صار على مستوى فهمها والالتذاذ بها ( انظر 21 : 20 تا ) .
( 52 ) إنّ الصّيغة الواردة في بعض المخطوطات تفرض هنا استخدام صيغة الغائب « أثار » أي أفلوطين ، ولا صيغة المتكلّم « أثر » أي « أنا فرفوريوس » لكنه لا يعود حينئذ للنصّ معنى مقبول : لم يبلغنا قطّ عن أفلوطين أنّه كان يحثّ أمليوس على الكتابة ؛ بل نعرف أنّ الرّجل كان يرغب من تلقاء نفسه في التّأليف ( 17 : 41 ) . فكان من شأن فرفوريوس أن يحمّسه على الكتابة .
( 53 ) إنّ فرفوريوس يتابع إذا ترجمته لحياة أفلوطين ومذهبه ، فينتهي الآن إلى نقل أقوال الشّهود . على أنّ ما سبق ( 17 - 18 ) لم يكن نقل شهادات بل خلافات تفصل مذهب أستاذه عمّا سواه من المذاهب ، وإن كان نقل تلك الخلافات يشبه بمبناه صيغة الشّهادة ممّا يجعله بمنزلة التّمهيد لها . أمّا في ما يتعلّق « بشهادة الحكماء » ( 22 : 3 ) فليست ممثّلة إلّا بشهادة لنجينوس ثمّ الاله أپولون ( 22 : 63 ) . على أنّ من بين شهادتي لنجينوس ( 19 : 7 - 41 ، ثم : 20 : 17 - 104 ) لا يتّصل باتّهام أفلوطين بالسّرقة عن نومنيوس ، إلّا الشّهادة الثّانية وهي « المقدّمة » المرفوعة إلى مرشلوس والّتي وضعها لنجينوس تمهيدا لمقاله في الغاية » ( 20 : 16 ) .
أمّا رسالة لنجينوس إلى فرفوريوس فيصعب ضبط تأريخها بالرّغم من الأخبار العديدة الّتي تتلاقى فيها .
لقد كان فرفوريوس يومذاك في صقلّية ، ممّا يدلّ على أنّ الرّسالة قد وضعت في السّنة 268 م أو بعدها .
ثم أن لنجينوس قد أرسلها وهو في فينيقيا . ومن المحتمل أنه كان يومئذ مقيما في بلاط تدمر الّذي انتقل إليه ( في 266 / 267 م ) من أثينا نزولا عند رغبة الملكة زينب الّتي كانت قد طلبت إليه أن يوافيها هناك أستاذا لها . أمّا امليوس ، فإنّه كان قد غادر روما في سنة 268 / 269 م ( 3 : 39 - 43 ) ، وكان في أفاميا في سنة 270 ( 2 : 33 ) . على أنّه كان مع لنجينوس يوم وضع هذا الأخير رسالته : ويدلّ على ذلك ما ورد في ( 19 : 21 - 27 ) . فإنّ الأمر المشار إليه في هذا المقطع ليس أمر مراسلة فقط ، بل إنّه يشير إلى حضور عينيّ . والمحتمل أن يكون لنجينوس قد استحضر إلى جانبه ، لإمكانات جدّت في تدمر ، من كان أقدم تلميذ لأفلوطين . ثمّ إنّ أمليوس كان قد حمل معه إلى بعضها أيضا ، ومنذ قريب ، إلى الرّجل ذاته ( 19 : 20 تا ) . وكان فرفوريوس قد شكا إلى لنجينوس ، في رسالة سابقة ( 19 : 11 تا ) انحرافا في صحّته ، اضطره إلى الإقامة في صقلّية ، في 268 . كما إنّه كان قد اطلع لنجينوس على خصائص أفلوطين في مذهبه ( 19 : 1 تا ) . كلّ هذا يجعلنا نؤرّخ وضع الرّسالة بين 268 و 272 م ، على أنّ هذه الأخيرة هي سنة إعدام لنجينوس في تدمر ، بعد أن كان قد حمل زينب على محاربة الرّومان ، فانهزمت أمامهم . ولا نستطيع الجزم فيما إن كان أفلوطين لم يزل ، يومذاك ، على قيد الحياة .
أمّا من حيث أسلوب الانشاء والكتابة في رسالة لنجينوس هذه ، فمن المحتمل أن يكون إنشاء وكتابة رجل أدرك الخمسين من عمره وهو منصرف بإقدام وحماسة إلى عمل جديد في حياته . وقد تبدو الرّسالة من وضع رجل عارف بالنّاس وكيف يؤخذون . فلغته تسترسل سهلة كأنّها تتناول الأمور العاديّة المألوفة ، وهي من السّهل الممتنع اليونانيّ الّذي لا بتر فيه ولا انقطاع فلا مناصّ لقارئها من أن يستأنس لها . ولا غرو إن امتازت الرّسالة بسحر وأناقة يلجأ إليهما صاحبهما ليستردّ إلى صداقته تلميذه الّذي كان فارقه ليلتحق بغيره . وكلّ هذا يفهمنا كيف استطاع الرّجل أن يستميل زينب إليه . ولربّما أفهمنا أيضا كيف انقلبت هذه الأخيرة عليه وسلّمته إلى المصير الّذي كان قدره وحتفه . وكلّ هذا الّذي قيل في الرّسالة يطبّق على مقدّمة المقالة « في الغاية » الّتي ترد في ما يلي ( 20 : 17 تا ) .