بجانب نفسه الآخر ، فيرفع معه إلى الملأ الأعلى ما يقيم منها هنا ، ذلك الجسم الذي يقبل هو وحده على البدن فيصنعه ويجهله ويكون معه في شغل شاغل . /
11 إنّ النّفس المفكّرة لا تزال مهتمّة بما هو العدل والصّلاح ، وإنّ الفكر لا يزال يبحث عن الشّيء إن كان يوافق العدل والصّلاح . وما دام الأمر كذلك ، فلا بدّ من قياس للعدل ثابت ، ينشأ فيه الفكر في النّفس . وإلّا فكيف تفكّر ؟ ثمّ إنّ النّفس تفكّر تارة في تلك الأمور وطورا لا تفكّر . / فلا غرو إن كان ثابتا فينا آنذاك ، لا الروح الذي يدرك العدل بالفكر ، بل الروح الذي ينطوي دائما على العدل . وإن كان ذلك كذلك فإنّ فينا أصل الروح أيضا وسببه ، كما أنّ فينا الإله وهو غير مجزّأ . بل إنّه باق كما هو في ذاته ببقاء في غير المكان . مع أنّا ، من ناحية أخرى ، إنّما نشاهده في أشياء كثيرة ، يتلقّاه كلّ ما يستطيع أن يتلقّاه ، وكأنّه يتلقّى ذاته وهي غيره . مثل ذلك مثل مركز / الدائرة يكون في ذاته مع ذاته ، بيد أنّ لكلّ شعاع من أشعّة هذه الدائرة نقطة فيه ، فضلا على أنّ كلّ خطّ فيها يعود إليه مع الخاصّة التي ينفرد بها خطّا . هذا وإنّا متّصلون بذلك الأصل من الأصول الثابتة فينا ، ومعه نكون نرتبط به ، لا بل إنّا فيه مقيمون ما دمنا نميل معه إلى الملأ الأعلى . /
12 كيف لا ننتبه إلى هذه الأشياء العظيمة وهي فينا ، بل كيف ندع تلك القوى كلّها معطّلة عن العمل ، ونجد أناسا لا يسخّرونها للعمل مطلقا ؟ فإنّ الأمور كلّها في الملأ الأعلى إنّما تكون دائما مستمرّة في أعمالها : الروح ، وما هو قبل الروح ، ذلك الذي يبقى دائما ثابتا في ذاته ، وكذلك النّفس أيضا هي الدائمة التّحرّك . ولكن لا يصبح كلّ ما يقع في النّفس شيئا / محسوسا ، إنّما ينتهي إلينا عندما يبلغ الإحساس . أمّا الجزء الذي يعمل ثمّ لا ينقل عمله إلى الحواسّ ، فإنّ عمله لن ينفذ إلى النّفس كلّها . ولسنا ندركه إذا لأنّ ملكة الحواسّ إنّما هي ممّا نحن عليه في ذواتنا ؛ وما نحن عليه في ذواتنا ليس جزءا من أجزاء النّفس بل النّفس كلّها . ثمّ إنّ لكلّ قوّة من قوى النّفس حياتها الدائمة ، / فتعمل كلّ قوّة عملها الخاصّ بحسب الحال الذي تكون هي عليه . أمّا الشّعور بذلك فلا يتمّ إلّا إذا تمّ اشتراك وإدراك . فإذا شئنا أن نوفّر لنا إدراك أمور تحضر هكذا ، وجب علينا أن نحوّل المدرك فينا إلى الباطن ، وأن نوقظ انتباهنا هنا . فإنّ المرء ، إن كان يتوقّع صوتا أراد أن يسمعه ، أغفل الأصوات الأخرى ، / وأرهف أذنيه لأرغب المسموعات لديه ريثما يقبل . كذلك ينبغي علينا في هذه الدّنيا أن نهمل المسموعات الحسّيّة ، إلّا ما تمسّ الحاجة إليه ، وأن نحرص على أن تكون قوّة الإدراك في النّفس صافية مهيّأة للاستماع إلى نغمات الملأ الأعلى . /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 435
مساهمون: أفلوطين
ص٤٣٥