تسلك سفلا فتحدث ، / بسلوكها وبنزوعها إلى ما هو دونها مقاما ، شيئا آخر قائما في ذاته . أمّا ما يكون منها متقدّما على ذلك ، والذي لا يزال مرتبطا بالروح ، فإنّه يدع الروح مع ذاته في ذاته .
2 إنّ الأمور متسلسلة من الأوّل إلى الآخر إذا ، ينفرد كلّ منها بمقامه دائما ، على أن يشغل المحدث مقاما غير مقام المحدث ، وهو المقام الأخسّ . ومع ذلك فإنّ الشّيء يتحوّل بالذات إلى ما يكون مشرفا عليه ، ما دام يتبع هذا المشرف متقيّدا به . فإن كانت النّفس في النّبات ، فإن ما في النّبات حينئذ غير ما هي عليه في ذاتها ، وكأنّه جزء منها ، / وهو أجهل أجزائها وأنقصها حكمة وأبعدها سلوكا وتوغّلا في هذه الناحية . وإن كانت النّفس في عالم البهيمة ، فالذي ساقها إليه إنّما هو قوّة الإحساس الراجحة فيها آنذاك . أمّا إن انتهت النّفس إلى عالم الإنسان ، فإمّا أن تكون حركتها ضمن حدود العقل الناطق إجمالا ، وإمّا أن تنبعث هذه الحركة من الروح على أنّ للنّفس روحها الخاصّ وأنّها تريد أن تعرف أو ، بوجه عامّ ، أن تتحرّك من تلقاء ذاتها . هذا ولنعد / إلى موضوعنا في بدايته . إذا قطعنا غصنا من الأغصان النابتة في جوانب الشّجرة أو رؤوس الأغصان ذاتها ، فأين تنطلق النّفس التي كانت كامنة فيها ؟ ألا ، إنّها تعود إلى موضعها الأصليّ الذي خرجت منه . فإنّها لم تبتعد عنه ابتعادا بالمكان ، وهي مع أصلها شيء واحد إذا .
وإذا قطعت الجذر أو أحرقته ، فإلى أين ينطلق ما كان من النّفس في الجذر ؟ نجيب : إنّه يصبح في النّفس الفائقة ، إذ إنّه لم / يمض إلى محلّ آخر . حتّى ولو كان في ذاته ، فإنّه في غيره إن كان من شأنه أن يرتقي . وإن لم يرتق ، فإنّه يحلّ في نبات آخر ، إذ إنّه لا يحصر في محلّ واحد . أمّا إن ارتقى ، فإلى القوّة المتقدّمة عليه . ولكن أين تكون هذه القوّة ؟ نجيب : القوّة المتقدّمة عليها أيضا . أمّا هذه القوّة الأخيرة ففي جوار الروح ، وهو ليس جوارا بالمكان . فإنّ شيئا لا يكون في المكان هنا . أمّا الروح فهو أحرى ، بوجه خاصّ ، بألّا يكون في مكان ؛ ومن ثمّ ، فالنّفس أيضا .
وإن لم تكن النّفس في مكان ، / بل في ما هو يكون في مكان ، فإنّها من كلّ ذلك في كلّ مكان .
فإذا سلكت من السّفل علوا ووقفت بين العالمين ولمّا ترق إلى العالم الأعلى رقيّا تامّا ، كانت حياتها بين الحسّيّة والروحانيّة ، واستقرّت هي ثابتة في هذا العالم الوسط .
إنّ الأشياء كلّها ، إنّما هي الواحد إذا ، كما أنّها ليست الواحد أيضا . هي هذا الواحد / لأنّها منه خرجت ؛ وليست هذا الواحد ، لأنّه إنّما أمدّها بالكيان وهو باق مع ذاته في ذاته . فكأنّ كلّ ذلك حياة تطول وتمتدّ بعيدا ، يختلف كلّ جزء عمّا يليه . أمّا الكلّ فهو متماسك في ذاته مع ذاته ، يتمايز بعضه عن بعضه الآخر ، ثمّ لا يفنى منه المتقدّم في ما يتأخّر عليه . وما عسى أن يكون من أمر النّفس الكامنة في النّبات ؟ / أفلا تنتج شيئا ؟ بلى ! إنّما تنتج ما تكون فيه هي . أمّا كيف تنتج ، فيجب علينا البحث عنه ، متقدّمين بأصول أخرى .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 437
مساهمون: أفلوطين
ص٤٣٧