المصادفة والاتّفاق . فلما ذا تكون معا ، ولما ذا تتضافر في عرفانها على عمل واحد ، وهو توافق بعض السّماء الكلّيّة مع بعضها الآخر ؟ وكيف يكون / عدد الأشياء الحسّيّة في السّماء مساويا لعدد الروحانيّات والمحرّكات ؟ وكيف تكون هذه المحرّكات من حيث أنّها بريئة من الجسمانيّة ، كثيرة وليس ثمّة هيولى لتفصل بعضها عن بعضها الآخر ؟
وهكذا ، فإن من بين القدماء من عدلوا عن مذهب أرسطو ومالوا ميلا شديدا إلى الأخذ بمذهب فيثاغورس وتلاميذه من بعده ومن فيريقودس ، وهم على يقين من وجود تلك الحقيقة ، أعني حقيقة الواحد ؛ فمنهم الذين دوّنوا آراءهم / في مؤلّفاتهم ، والذين لم يعالجوها في المؤلّفات ، بل في محاضرات غير مكتوبة ، أو أهملوها إهمالا مطلقا .
10 إنّا قد أثبتنا الآن الوجه الذي يجب أن نتصوّر الأمور عليه : وهو أنّ الواحد إنّما هو ما وراء الحقّ ، على نحو ما أردنا أن ندلّ عليه في كلامنا بقدر ما تتيسّر الدّلالة في هذا المضمار .
ثمّ يأتي بعد الواحد الحقّ والروح . وتلي النّفس في حقيقتها في المقام الثالث أخيرا . وكما أنّ هذه الأمور الثّلاثة المذكورة قائمة في العالم ، / كذلك يجب أن نعتقد فيها أنّها متوافرة لنا أيضا . ولست أعني أنّها فينا من حيث أنّا أشياء حسّيّة ، إذ إن هذه الأمور إنّما هي مفارقة منزّهة .
بل إنّها فينا بمعنى أنّا نحن خارج الحسّيّات ، وأنّا كذلك « خارج » الحسّيّات ، مثلما تلك الأمور « خارج » السّماء الكلّيّة . وكذلك الأمر عند الإنسان في الشّيء الذي يسمّيه أفلاطون « الإنسان الباطن » . / إنّ نفسنا إنّما هي أمر ربّانيّ إذا ومن طبيعة غير طبيعة الأجسام ، وكذلك تكون كلّ نفس في حقيقة ذاتها . لكنّ كمالها عائد إلى أنّ الروح بين يديها ، وهو روحان : روح مفكّر وروح يكفل التّفكير . أمّا الملكة المفكّرة في النّفس ، فإنّها لا تحتاج قطّ لتفكّر إلى أداة جسمانيّة . بل إنّها تحتفظ بفعلها صافيا / حتّى يسعها أن تفكّر بصفاء . فلا نكون في ضلال ، وهي كذلك على صفائها وبراءتها من الجسمانيّة ، إن جعلناها في الملأ الروحانيّ الأعلى . ذلك لأنّه يجب فيها الّا نبحث لها عن مكان ننزلها فيه ، بل يجب أن نجعلها مستقلّة عن كلّ مكان .
فكذلك يكون الأمر القائم في ذاته مع ذاته ، المستقلّ بذاته ، غير الهيولانيّ : فهو وحده ، وليس لديه شيء / من الطّبيعة الجسمانيّة . ولذلك يقول أفلاطون في العالم الكلّيّ إنّ الإله « مدّ النّفس » حول العالم ومن الخارج أيضا ، مشيرا بهذا القول إلى ما بقي من النّفس في العالم الروحانيّ .
أمّا فيما يتعلّق بنا نحن ، فإنّه قد أشار إلى الشّيء ذاته إذ قال إنّ النّفس « مقيمة في القمّة ، في الرّأس » . ثمّ إنّ الدّعوة إلى الانفصال لا تعني انفصالا بالمكان ، إذ إنّ ذلك الجزء من النّفس منفصل عن الجسم طبعا . / بل إنّ هذه الدّعوة تعني انفصالا بمعنى العزوف عن الدّنيويّات حتّى في تصوّراتنا ، وبمعنى هجر كلّ ما يمتّ إلى الجسم بصلة . فلعلّه يتيسّر لبعضهم أن يرتقي
تاسوعات أفلوطين — صفحة 434
مساهمون: أفلوطين
ص٤٣٤