تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
ذاته . من ذلك المحتد حقّا يخرج الروح الذي نحن في صدده . فإنّ الروح القائم في منتهى النّقاوة والصّفاء ، إنّما هو أهل لئلّا ينبع إلّا من الأصل الأوّل . فإذا نشأ هو أنتج معه وفي الآن نفسه الأمور كلّها والمثل كلّها في حسنها والأرباب الروحانيّة بأسرها . فيصبح آنذاك حافلا بالأشياء التي أنتجها وكأنّه يعود / ويغتمرها ليحفظها فيه ، ولا يدعها تندلق في الهيولى وتتغذّى من الصّيرورة الجارية . على هذا المعنى يؤوّل ما ورد في الشّعائر الدينيّة الباطنيّة والأساطير المتعلّقة بالأرباب من أنّ « كرونوس » صاحب الحكمة في منتهاها ، والمتقدّم على « زوس » ، إنّما يعود إلى ذاته ويحفظ في ذاته ما ولده بحيث يصير عامرا وروحا في التّملّي . ويقال فيه أنّه أنتج « زوس » بعد ذلك ، / وهو آنئذ الرغد بالذات مكتملا . ولا غرو ، فإنّ الروح يلد عقيما ، وهو له من القوّة القدر الذي لديه . إلّا أنّه ليس بوسع المولود ، هنا أيضا ، أن يكون أفضل من الوالد ، بل إنّه ، ما دام دونه مقاما ، إنّما هو صورة له : وهو بذلك غير واضح في معالمه . / بل إنّ الوالد إنّما هو الذي يضبط المولود في حدوده وكأنّه يقيمه في مثاله . هذا وإنّ ما ينتج عن الروح إنّما هو عقل ما وشيء قائم في ذاته ، وهو الملكة المفكّرة . فإنّها هي التي تتحرّك حول الروح ، على أنّها النور المنتشر من الروح وأثره الذي لا يزال مرتبطا به . هي منساقة مع الروح ، من ناحية ، تكفل بذلك تملّيها وتتمتّع بالروح وتأخذ منه ، فتكون هي غارقة أيضا . / وهي من ناحية أخرى متّصلة بما يأتي بعدها ، بل إنّها تنتج ذلك الذي يأتي بعدها ، فيكون دون النّفس مقاما لا محالة . وهذا موضوع لا بدّ من الخوض فيه بعد ذلك ، ما دامت الأمور الربّانيّة إلى هذا الحدّ تنتهي . 8 ومن ثمّ المقامات الثّلاثة عند أفلاطون : فإنّ الأشياء كلّها - ويعني بها الأوّليّات - إنّما هي حول من يملك كلّ شيء . ثمّ إنّ حول الأمور الثابتة في المقام الثاني ما يكون من المقام الثاني ، وحول الأمور الثابتة في المقام الثالث ما يكون في المقام الثالث . ثمّ يقول إنّ للسّبب أبا ، وهو يعني بالسّبب الروح إذ إنّ الروح هو الصانع عنده ، وهو الذي أنشأ / النّفس ، فيما يقول ، في « كأس المزيج » . وما دام الروح هو السّبب ، فإنّ والده ، فيما يقول أيضا ، إنّما هو الخير المحض وما يكون وراء الروح ووراء الذات . ثمّ إنّه ، في نواح شتّى من مؤلّفاته ، يقول عن الحقّ وعن الروح أنّهما المثال . وبالتالي فإنّ أفلاطون كان عارفا بأنّ الروح إنّما ينبعث من الخير المحض ، وبأنّ النّفس إنّما تنبعث من الروح . فليست أقوالنا هنا أقوالا / جديدة من استحداث دهرنا ، بل إنّها واردة منذ القدم بغير توضيح واسترسال . كما أنّ أقوالنا اليوم ليست إلّا شرحا وتفسيرا لأقوال القدامى التي يدعم كونها قديمة ما ورد في مؤلّفات أفلاطون ذاته . وكان برمنيدوس قبله / قد ألمّ بهذا المذهب في الرّأي قدر ما أنّه يجعل الحقّ والروح شيئا واحدا ، ويرى أنّ الحقّ لا يكون في الحسّيّات ، فيقول « إنّ العرفان بالروح والكينونة إنّما هو شيء واحد حقّا . ثمّ إنّه يقول في الحقّ إنّه