الفصل الثاني ( 11 ) في الإبداع وفي ترتيب الأمور المتأخّرة على الأوّل
1 إنّ الواحد إنّما هو الأشياء كلّها ، ثمّ إنّه ليس شيئا من الأشياء . فإنّ أصل الأشياء كلّها ليس بالأشياء كلّها ؛ بل إنّ هذه الأشياء كلّها بما هو عليه في الملأ الأعلى . أو بالأحرى إنّها لديه ولمّا تكن ، بل ستكون بعد ذلك . ولكن كيف تخرج من البسيط الواحد ، وهو ، ما دام باقيا هو هو ذاته ، لا يظهر قطّ فيه اختلاف ولا تنويه في شيء مهما يكن ؟ ألا ، لم يكن فيه شيء ، ولأنّه كان كذلك انبعثت منه الأشياء كلّها . فحتّى يكون / الحقّ ، كان يجب فيه هو الواحد ، الّا يكون الحقّ ، بل أن يكون مبدع الحقّ ، فيصبح هذا الإبداع بمنزلة الإبداع الأوّل . ذلك لأنّ الواحد ، ما دام كاملا ( فإنّه لا يسعى وراء شيء ، ولا يملك شيئا ، ولا يحتاج إلى شيء ) فإنّه يفيض ، وهو فيضانه هو الذي يبدع شيئا يختلف عنه . أمّا الشّيء المبدع فإنّه يكون قد التفت إلى الواحد وامتلأ منه ، وأخذ / ينظر إلى ذاته ، فأصبح هو الروح آنذاك . لقد جعله وقوفه عند الواحد حقّا ، وجعلته مشاهدته لذاته روحا . وما دام قد وقف عند الواحد ليشاهده ، فإنّه أصبح روحا وحقّا في آن واحد .
ولمّا كان هذا الروح كأنّه الواحد ، فإنّه يصنع ما يحاكي صنع الواحد ، إذ إنّه يفيض بقوّة عظيمة ( ولا غرو إن كان الروح مثال الواحد ) ، كما أنّ / الواحد المتقدّم عليه كان قد استفاض هو أيضا . ثمّ إنّ هذا الصّنع المنبعث من الذات إنّما هو تحقيق النّفس ، التي تصبح ذلك الأمر ، في حين يبقى الروح على ما تكون عليه في ذاته . ذلك بأنّ الروح صار روحا على حين بقي الواحد المتقدّم في ما هو عليه بذاته . أمّا النّفس فإنّها تفعل فعلها وهي غير باقية على حالها ، بل تتحرّك فتبدع أثرا ما . فإن توجّه وجهها إلى الملأ الأعلى الذي خرجت منه ، تصبح حافلة ممتلئة ، وإن تقبل إلى الجهة الأخرى المغايرة تنتج أثرها ، وهو الإحساس والطّبيعة / الكامنة في النّبات . هذا على أنّ شيئا منها لا يكون منفصلا عمّا يتقدّمه وليس مقطوعا . فالذي يبدو هو النّفس في جانبها الأسفل إنّما تنتهي إلى عالم النّبات . والواقع هو أنّها تنتهي إلى ذلك من وجه ما لأنّ ما يكون في النّبات إنّما هو منها . ولكنّها ليست كلّها في النّبات ، بل إنّها تصبح في النّبات على قدر ما إنّها