تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
ساكن ولو أنّه يضيف إليه العرفان . كما أنّه ينبغي عن الحقّ كلّ حركة جسمانية حتّى يبقى كما هو على حاله ، ويشبّهه بحجم كرويّ الشّكل ؛ لأنّه ينطوي على الأشياء كلها / ولأنّ العرفان لديه ليس متّجها إلى الخارج بل منحصرا فيه هو ذاته . ولكنّ قول برمنيدوس في مؤلّفاته عن هذا الأمر إنّه واحد كان قولا معرّضا للتّهمة بالخطإ ، بمعنى أنّ هذا الواحد إنّما يبدو على أنّه ذو كثرة أيضا . أمّا قول برمنيدوس عند أفلاطون ، فهو قول أقرب إلى الصحة والصّواب . فإنّه يميّز بعض الأمور الثّلاثة عن بعض : « الواحد الأوّل » وهو الواحد بالمعنى الأخصّ ، ثمّ « الواحد الثاني » الذي يسمّيه « الواحد ذا كثرة » ، وأخيرا « الواحد الثالث » / أي « الواحد مع الكثرة » . فكان بذلك هو ذاته ، على وفاق مع ما نذهب إليه في الطّبائع الثّلاث . 9 أمّا انسكاغوراس فإنّه حينما يقول في الروح إنّه طاهر ، بريء من كلّ مزيج ، إنّما يجعل هو أيضا الأوّل أمرا بسيطا ، والواحد أمرا مفارقا منزّها . إلّا أنّ وجوده في قدم الزّمان حمله على إهمال الدّقّة في القول . ثمّ إنّ هرقليطس كان عارفا هو أيضا بأنّ الواحد إنّما هو أزليّ روحانيّ ، لأنّ الأجسام إنّما تكون في صيرورة دائمة وجري مستمرّ . أمّا عند اميدوكليس ففي الخصام التّفرقة ، / وفي المحبّة الوحدة . وهو يرى هذا الواحد بريئا من الجسمانيّة وينزل العناصر منزلة الهيولى . ثمّ يأتي أرسطو بعد ذلك فيذهب إلى أنّ الأوّل مفارق منزّه وروحانيّ . ولكنّه عندما يقول فيه إنّه « يعرف ذاته بذاته » يعود وينفي عنه كونه الأوّل . ثمّ إنّه يفترض إلى جانب ذلك وجود أمور روحانيّة كثيرة على قدر عدد الكرات في السّماء ، بحيث / يحرّك كلّ كرة أمر روحانيّ واحد . فيذهب في الروحانيّات إلى غير ما يذهب إليه أفلاطون . فيلجأ في ذلك إلى الاحتمال إذ إنّه ليس بين يديه ما يثبت زعمه إثباتا ضروريّا . ولكنّا ربّما نقف متردّدين فيما إن كان هذا القول قابلا للاحتمال . فإنّ الأقرب للاحتمال ، ما دامت الكرى تسهم جمعا في نظام واحد ، هو أن نوجّه هذه الكرى وجهها للشّيء الواحد أعني الأوّل . وربّ سائل يسأل أيضا عن رأي أرسطو في الروحانيّات الكثيرة إن كانت تنبعث من شيء واحد ، / أعني من الأوّل ، أو إن كانت الأصول في عالم الروحانيّات بعدد كثير . إن كان الروحانيّات تنبعث من شيء واحد ، فواضح أنّها تكون مثلما تكون الكرات في العالم الحسّيّ . تحيط الكرة بكرة أخرى ، ويكون حقّ التّقدّم للكرة الأخيرة من الخارج . وعليه فإن الأوّل في الملأ الأعلى ، إنّما يكشف كلّ ما سواه ، ويقوم بذلك عالم روحانيّ . وكما أنّ الكرات هنا ليست فارغة / بل تكون الأولى بينها حافلة بالكواكب ، ثمّ تنطوي هذه الكواكب على غيرها ، فكذلك الأمر في الملأ الأعلى : تنطوي المحرّكات على أمور كثيرة ، وهي أجدر الأمور بأن تكون حقّا ما دامت هنالك . أمّا في الحالة الثانية ، إن كان كلّ أمر روحانيّ أصلا في حدّ ذاته ، فإن الأصول إنّما تكون عن طريق