القدامى . وهو أنّه كيف يأخذ من هذا الواحد كلّ أمر ، مهما يكن ، قيامه في ذاته ، / سواء أكان ذا كثرة أو ذا تكوين ثنائيّ أو عددا من الأعداد . كيف لم يبق ذلك الواحد مع ذاته في ذات ، بل تدفّقت منه الكثرة بالقدر الذي نعرفه ، وهي كثرة نتبيّنها في عالم الوجود من ناحية ، ثمّ نرى ، من ناحية أخرى ، أنّه من الحقّ علينا أن نردّها إلى ذلك الواحد ؟ فلنأخذ في القول إذا ، بعد الارتفاع بالدّعاء إلى الإله ذاته ؛ ولا نلجأ إلى الصّوت فقط ، بل فلنشرئبّ بنفوسنا إليه في تضرّعاتنا ، فنستطيع ، ما دمنا على هذه الحال ، / أن نكون وحدنا معه وحده في تضرّعنا إليه . فإن ذلك الواحد قائم من ذاته في ذاته ، وكأنّه داخل ذاته في هيكل . وهو باق ساكنا وراء الأشياء كلّها . فيجب في المشاهد آنذاك أن يلقي بصره على الأصنام الساكنة وكأنّها أصبحت الآن خارج الهيكل ، أو بالأحرى على الصّنم الذي ظهر أوّلا ، وكأنّ ظهوره على الوجه التالي . لا بدّ في كلّ / متحرّك من أن يقابله شيء يتحرّك إليه . وما دام ذلك الواحد لا يقابله شيء يتحرّك إليه ، فإنّا لا نجعله يتحرّك هو ذاته . فأمّا إذا جاء شيء بعد ، فإنّ هذا الشّيء يكون قد نشأ وهو دائم الالتفات إلى ذلك الواحد لا محالة . وهنا ينبغي أن نسقط في سياقنا ، تصوّر الحدوث في الزّمان ، ما دام كلامنا حول الأمور الأزليّة ، / على أنّا ننسب إليها الحدوث بالكلام فقط لتبيين ما بينها من علّة وترتيب . فالواقع هو أنّه يجب في ما ينشأ في الملأ الأعلى الّا يقال عنه أنّه ينشأ من الواحد وقد تحرّك . وإن نشأ من الواحد وقد تحرّك ، فإنّ ما ينشأ عن الواحد آنذاك بعد الحركة ، إنّما يكون في المقام الثالث وليس في المقام الثاني . إن كان بعد الواحد شيء من المقام الثاني إذا ، فإنّما يجب في هذا الشّيء أن يقوم في ذاته ، / والواحد آنذاك لا يزال ساكنا ، غير مائل إلى الشّيء ولا يريده ، ولا يأتي بحركة مطلقا . ولكن كيف يكون ذلك ، وكيف نتصوّر هذا الأمر الثاني الذي يبقى كذلك حول الواحد ؟ نجيب : نتصوّره على أنّه إشعاع ينبعث من الواحد ؛ أجل ، إنه ينبعث من الواحد الذي يبقى ثابتا في ذاته . مثل ذلك مثل الشّمس : فإنّ إشعاعها إنّما يكون من حولها وكأنه يحيط بها ، وهو ينبعث منها دائما ، ثم تبقى على حالها . هذا وأنّ الأشياء كلّها ، / ما دامت باقية على حالها ، إنّما تفسح المجال لا محالة لشيء يخرج من القوّة الكامنة فيها ، فيحيط بها من الخارج ويبقى مرتبطا بها . وكأنّه ، وهو كذلك ، صورة للأصول التي خرج منها . من النار تنبعث حرارتها ، والثّلج لا يستأثر ببرودته في باطنه ، ويدلّ على ذلك بنوع خاص ما تفوح منه الرّوائح الطّيّبة . / فإن الرّوائح تنبعث منه وتنتشر من حوله ، ما دام هو ثابتا ، فيتمتّع بانتشارها كلّ ما كان في الجوار . ثمّ إنّ الأشياء كلّها تنتج إذا اكتملت . فالذي يكون في حال الاكتمال دائما ينتج دائما ، ويكون نتاجه أزليّا ؛ على أنّ ما ينتج إنّما يكون دونه مقاما . وما عسانا أن نقول في ما يكون بالغا تمامه ؟ نجيب :
لا ينتج عنه إلّا ما هو أعظم الأشياء بعده . / والشّيء الأعظم بعده إنّما هو الروح الذي يأتي في المقام الثاني . فإنّ الروح يشاهد ذلك الواحد ولا يحتاج إلّا إليه . أمّا الواحد فلا يحتاج قطّ إلى
تاسوعات أفلوطين — صفحة 430
مساهمون: أفلوطين
ص٤٣٠