العرفان لا يتمّ إلّا بكون العارف هو ذاته وغيره معا . ومن ثمّ فإنّ الأصول الأوائل إنّما هي الروح والحقّ والتّخالف والبقاء على الذات ، على أن يضاف إليها الحركة / والسّكون . أمّا الحركة فلأنّ الروح يعرف ؛ وأمّا السّكون فلكي يبقى على حاله ولا يتغيّر ؛ وإنّما التخالف إذ يكون الروح عارفا ومعروفا في آن واحد . فإذا ارتفع التّخالف صار الروح واحدا محضا في حال السّكوت ، مع أنّه يجب في المدركات بالروح أن يكون بعضها مباينا بعضها الآخر . فأمّا البقاء على الذات ، فلأن كلّا من هذه المدركات واحد في ذاته ، مع كونها مشتركة كلّها في شيء واحد ، والفرقان بينها إنّما هو التّخالف . / ثمّ إنّ تلك المعاني تولّد العدد والكمّ بكثرتها ؛ والكيف فيها ، هو الطابع الخاصّ الذي يكون عليه كلّ منها . هذا وإنّ الأشياء الأخرى تنبثق منها انبثاق الفروع من الأصول .
5 إنّه ذو كثرة إذا هذا الإله المشرف على النّفس ، وإنّ شأن النّفس أن تحصى في عدد الأمور الروحانيّة ما دامت متّصلة بها وتشاء هي الّا تبتعد عنها . فإذا اقتربت منه وأصبحت معه كأنّها شيء واحد ، حييت بحياة دائمة . ومن هو والد الروح إذا ؟ هل إنّه البسيط المتقدّم على تلك الكثرة ، وهو علّة ذلك الكيان في ما يقوم عليه من كيان ذي كثرة ، كما إنّه هو الذي أحدث العدد ؟ / ليس العدد أوّل الأشياء ، لأنّ الواحد قبل الاثنين ، والاثنينيّة بعده ، تنشأ عنه فيكون لها حدّا إذ إنّها هي غير محدودة من تلقاء ذاتها ، ولا يكون العدد إلّا عندما تحدّد هي . وأعني العدد على أنّه ذات إذ إنّ النّفس هي أيضا عدد . فإنّ هذه الأمور الأولى لا تكون بحجم أو مقدار ، إنّما تأتي بعد ذلك تلك الأشياء / التي يتصوّر الحسّ أنّها حقائق . كما أنّ الشّيء الشّريف في البذور ليست الرّطوبة ، بل الشّيء الشّريف ما لا يرى ، وهو العدد والبنيّة المعنويّة . وإنّ ما يقال عنه في الملأ الأعلى أنّه العدد والاثنينيّة إنما هو البنى المعنويّة والروح . لكنّ الاثنينيّة تبقى مبهمة غامضة المعالم لأنّها إنّما يتلقّاها ما هو منها بمنزلة الحامل من المحمول . أمّا العدد الذي ينبعث منها ومن الواحد ، / فإنّما هو مثال . فيغدو كلّ أمر روحانيّ وكأنّه منسبك في المثل التي تنشأ فيه هو ذاته . فيكون انسباكه في المثال من قبل الواحد على وجه ، ومن قبله هو ذاته على وجه آخر ، كما هو الأمر في البصر الذي يبصر بالفعل . ولا غرو ، فإنّ العرفان إنّما هو بصر باصر ، والأمران كلاهما شيء واحد .
6 فكيف يشاهد الروح ، ومن يشاهد ؟ وبوجه الإجمال ، كيف أصبح قائما في ذاته ، وخرج من ذلك الواحد بحيث أنّه يشاهد ؟ أمّا كون هذه الأمور واقعا ضروريّا لا مفرّ منه ، فإنّ النّفس مقتنعة به . لكنّها ترغب في الكشف عن المشكلة التي كانت موضوع الجدال حتّى عند الحكماء
تاسوعات أفلوطين — صفحة 429
مساهمون: أفلوطين
ص٤٢٩