كلّا ، تحيي الأشياء كلّها ، فيشمل حضورها كلّ شيء ما دامت تشبه والدها وأباها بكونها واحدة وممتدّة إلى كلّ شيء بحضورها . فبقوّة النّفس تصبح السّماء واحدة بالرّغم من كونها ذات كثرة ، إذ إنّ هاهنا شيء وهناك شيء آخر . وكذلك القول في العالم الكلّيّ الذي يصبح إلها بقدرة النّفس . كما إنّ النّفس هي التي تجعل الشّمس إلها / لأنّها منفوسة . والكواكب ونحن أيضا ما دام كلّ منّا شيئا من الأشياء . « فإنّ الجثّة بأن يرمى بها خارجا أولى من الرّوث » . وبعد فإنّ الذي يكون للآلهة سبب كونهم آلهة إنّما هو أقدم منهم من حيث كونه إلها لا محالة . ونفسنا من هذا الجنس أيضا . فإذا أخذتها مجرّدة عمّا علق بها ونظرت إليها نقيّة صافية ، وجدت أنّ أشرف شيء لدينا إنّما هو الشّيء / الذي يكوّن النّفس فينا ، وهو أشرف من كلّ ما يمتّ إلى الجسميّات بصلة . فإنّ ذلك كلّه إنّما هو تراب . وحتّى لو كان نارا ، فما عسى أن يكون المحرق فيها ؟
وكذلك القول فيما يكون مركّبا من هذين العنصرين ، حتّى ولو أضفت إليهما الماء والهواء . وإن كنت تسعى وراء ذلك كلّه لأنّه منفوس ، فلما ذا تتخلّى عن ذاتك ماضيا في طلب غيرك ؟ وإن كنت معجبا بالنّفس عند غيرك ، / فكن معجبا بذاتك .
3 هذا وما دامت النّفس كذلك شيئا شريفا وإلهيا ، فتوكّل عليها ، وهي من هذا الطّراز ، في سيرك إلى الإله ، وارتق إليه معتصما بحبلها . فإنّك ، وأيم الحقّ ، لن تبرح بعيدا وليس بينك وبينه أوساط كثيرة . ثمّ اقبض على ما هو الأرفع ربّانيّة في هذا الأمر الرّبانيّ ، على الجانب من النّفس الذي تجاور به الملأ الأعلى ، / أصل النّفس المتقدّم عليها . ذلك لأنّ النّفس ليست إلّا صورة للروح ، بالرّغم من كونها ذلك الشّيء العظيم الذي كشف عنه كلامنا . وكما أنّ الكلام القائم في النّطق هو صورة للكلام القائم في النّفس ، كذلك النّفس أيضا إنّما هي كلمة الروح ، وهي فعله كلّه ، كما أنّها الحياة التي يتدفّق بها ليكفل الكيان لغيره . مثل ذلك مثل الحرارة من النار : فحرارة مع النار وفيها ، وحرارة تمدّ النار بها . لكنّه يجب / في الفعل القائم في عالم الروح الّا نتصوّره متدفّقا إلى الخارج ، بل ثابتا في الروح من ناحية قائما في ذاته من ناحية أخرى . وما دامت النّفس منبعثة من الروح فإنّها روحانيّة ، وروحها ينساب في غضون التّروّي والتّفكير كما أنّ الروح هو الذي يجعلها كاملة . فكأنّه أب يربّي ابنه الذي لم يلده كاملا بالنّسبة إليه . أمّا كيانها فمن الروح ، / أمّا العقل لديها فإنّه إنّما يكون بالفعل حينما تشاهد الروح . ذلك لأنّها عندما تنظر إلى الروح من باطنها ، فإنّ ما تعرفه بالروح وتحقّقه آنئذ ، إنّما هو الذي يأتي من باطنها ويكون خاصّتها حقّا . في هذه الأمور وحدها يجب أن يقال إنّها أفعال النّفس ، وذلك بقدر ما تكون أفعالا عرفانيّة منبعثة عمّا هو من النّفس جميعها . أمّا الدنيّات فإنّها من مصدر آخر ، وهي أحوال تطرأ على النّفس وقد انحطّت من مقامها هي أيضا . فإنّ الروح يزيد في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 427
مساهمون: أفلوطين
ص٤٢٧