ربّانيّتها / إذا ويكون أبا لها وبحضوره فيها ، فليس يفصل بينهما إلّا كونهما مفترقتين ، على معنى أنّ النّفس هي المتأخّرة وهي التي تتلقّى من الروح ، وبمعنى أنّ الروح هو المثال . لكنّها لا تزال جميلة كونها هيولى الروح إذ إنّها روحانيّة المثال بسيطة . أمّا عظمة الروح ، فإنّما يتّضح من كلّ ذلك الذي سبق أنّه خير من النّفس ، على ما وصفناها به .
4 هذا فضلا على أنّا نستطيع أن نتبيّن ذلك ممّا يلي . إنّ العجب ليأخذ منا كلّ مأخذ عندما نشاهد هذا العالم الحسّيّ . ففيه العظمة والحسن وترتيب الحركة الأزليّة ، كما أنّ فيه الأرباب ، الظاهرة منها والخفيّة ، والجنّ ، والحيوان والنّبات بأسرهما . وإن كان ذلك كذلك ، فلنرق إلى ما هو مثال هذا العالم / وكيانه الأحقّ ، ولنشاهد الروحانيّات هنالك وهي تتمتّع بالأزل من تلقاء ذاتها كما أنّها تتمتّع بالحياة وبالشّعور بذاتها على أنّهما منها أصلا . وناهيك بالروح في صفوته ، وهو قائم عليها ، وبالحكمة التي تفوق كلّ وصف ، وفي الحياة في عهدة الإله « كرونوس » على أنّها الحيوان حقّا ، ما دام هو ، إلها ، التملّي والروح . فإنّه يشتمل على الخالدات كلّها ، / والروح كلّه ، والرّبوبيّة كلها ، والنّفس كلّها ، وهو مع كلّ ذلك في اطمئنان مستديم . فلما ذا يطلب تغيّرا وهو على حسن الحال ؟ وإلى أين ينتقل ويتحرّك ما دام كلّ شيء لديه ؟ بل إنّه لا يطلب مزيدا لأنّه في غاية التّمام والكمال . ولذلك غدا كلّ ما لديه كاملا حتّى يكون هو كاملا ولا يكون شيء لديه إلّا ، وهو كذلك . / فليس فيه شيء إلّا وهو عارف ، على أنّ عرفانه ليس طلبا للشّيء بل هو حصول عليه . ثمّ إنّ سعادته ليست سعادة مستفادة ، بل إنّ كلّ ما فيه إنّما هو جار مع الأزل ، وأعني الأزل الحقّ الذي يتشبّه به الزّمان إذ يحيط بالنّفس من كلّ صوب وجانب ، فيخلّف أمورا ويسعى وراء أخرى . ذلك لأنّ في النّفس أشياء تعقبها أشياء أخرى : فيمثل فيها سقراط تارة ويمثل فيها فرس تارة أخرى ، ويكون فيها دائما / شيء معيّن . أمّا الروح فإنّه الأشياء كلّها . إنّه يشتمل على الأشياء كلّها إذا ، وهي قائمة ثابتة في شيء واحد . وإنّما هي قائمة فقط ، والقيام هناك دائم بلا زمان ماض ولا آت ، لأنّ الآتي هناك حاضر والماضي موجود ، والأشياء دائما على حال واحد لا تتغيّر ولا تستحيل ، ما دامت باقية هي ذاتها وكأنّها تحبّ ذاتها وهي على هذه الحالة . فكلّ / روحانيّ من الروحانيّات إنّما هو روح وحقّ ، والروحانيّات كلّها إنّما هي الروح كلّه والحقّ كلّه . فإنّ الروح بعرفانه يجعل الحقّ قائما في ذاته ؛ وإنّ الحقّ بعرفان الروح له يكفل للروح والعرفان والكيان . هذا وإنّ علّة العرفان إنّما هي شيء يختلف عن العرفان ، وهذا الشّيء إنّما هو علّة للحقّ ، ولكليهما معا علّة تختلف عنهما إذا . فالأمران قائمان معا دائما لا يفارق أحدهما الآخر . ولكنّ هذا الشّيء الواحد إنّما هو اثنان معا ، / والروح والحقّ والعارف والمعروف : فإنّه الروح من حيث العرفان ، وإنّه الحقّ من حيث أنّه مدرك بالعرفان . ذلك لأنّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 428
مساهمون: أفلوطين
ص٤٢٨