تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
هي الباحثة ، ما هي حتّى تعرف أوّلا إن كان بوسعها أن تقوم ببحث مثل هذا البحث ، وإن كان لها نظر يمكّنها من أن ترى ، وإن كان هذا البحث بحثا يليق بها . ذلك لأنّه إذا كان ما تبحث عنه غريبا عليها ، فما هي حاجتها إلى البحث ؟ أمّا إن كان ما تبحث عنه شيئا يجانسها ، فالبحث عنه جدير بها ، وبوسعها هي أن تكتشف هذا الشّيء . / 2 هذا ولتخلد كلّ نفس إلى ذكر ما يلي : إنّها هي التي صنعت الأحياء كلّها إذ نفحت الحياة فيها . الأحياء التي تغذّيها الأرض ويغذّيها البحر ، وتلك التي تحلّق في الهواء ، والكواكب الإلهيّة في السّماء . بل هي النّفس التي صنعت الشّمس وهذه السّماء العظيمة التي رتّبتها والتي تدفعها الآن في حركة دوريّة منتظمة . والنّفس في كلّ ذلك إنّما تختلف / بطبيعتها عمّا تنظّمه وتحرّكه وتحييه . ثمّ إنّها أشرف من هذه الأحياء لا محالة : فإنّها أشياء تتقلّب ويعتريها الفساد ، حسبما تنسحب النّفس عنها أو تمدّها بالحياة . في حين أنّ النّفس باقية دائما على حالها لأنّها لا تتخلّى عن ذاتها . أمّا الوجه الذي تلجأ إليه لتكفل الحياة في الكلّ / وفي الجزئيّات ، فلتفكّر فيه على نحو ما يلي : لتمعن النّظر في النّفس الكبرى ، وهي نفس تختلف عنها ولكنّها ليست صغيرة هي ما دامت أهلا لإمعان النّظر الآن وقد انعتقت من الظلال ومن المغريات التي تعلق بغيرها ، وذلك باستقرارها هادئة مطمئنّة . وليسكن معها إلى ذلك ، ليس الجسم الذي يكتنفها أو يضطرب فقط ، بل كلّ ما يحيط بها أيضا . / فلتسكن الأرض ، وليسكن البحر والهواء ولتسكن السّماء الشّريفة ذاتها . ولتتصوّر بروحها نفسا مقبلة من الخارج على السّماء الساكنة من كلّ صوب وجانب ، وكأنّها تجري إلى هذه السّماء وتنصبّ فيها وتتسلّل إليها من كلّ ناحية وتشعّ فيها . كما تجعل أشعّة الشّمس السّحاب القاتم يشعّ ويتلألأ بألوانه الذّهبيّة / عندما تنشر فيه نورها ، كذلك تفعل النّفس عندما تقبل على جسم السّماء فتمدّه بالحياة وبالخلود وتوقظه من سباته . فإذا تحرّكت السّماء آنئذ بحركة أزليّة تبعثها النّفس بحكمة ، أصبحت السّماء حيوانا سعيدا . ثمّ إنّ هذه السّماء تحظى بالكرامة بعد أن تكون النّفس قد حلّت فيها ، وقد كانت قبل مجيء النّفس إليها / جسما هامدا ، أرضا وماء ، بل ظلاما هيولانيّا وعدما ، شيئا يمقته الآلهة كما يقول بعضهم . فتبدو قوّة النّفس وحقيقتها لمن يفكّر في الأمر حينذاك أشدّ وضوحا وظهورا ، إذ إنّه يرى كيف تقبض السّماء كلّها وتسوقها بإرادتها . فإنّها تمتدّ بذاتها إلى امتداد السماء كلّها / مهما تكن عظيمة ، فتجعل الحياة في كلّ مسافة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة ، ويكون كلّ جسم في محلّه الذي يختلف عن محلّ غيره ، فهذا هنا وذاك هناك ، وأجسام في أمكنة متقابلة وأجسام يتميّز بعضها عن بعض فينفصل بذاك بعضها عن بعض . أمّا النّفس فليست على هذه الحال : لا تتقطع إربا ولا تقبل على الجسم الجزئيّ / بجزء منها فتكفل الحياة بجزء من نفس . بل إنّها ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 426 | أفلوطين